بين جرائم الاحتلال ومسؤولية المجتمع الدولي والانقسام الداخلي… قراءة قانونية وأخلاقية في مأساة غزة ومن يحاولون تحميل الضحية مسؤولية جريمة الجلاد.
ليس أشدَّ إيلاماً على النفس من أن يرى المرء أمةً تُباد على مرأى ومسمع من العالم، ثم يستيقظ ليجد من بين أبناء جلدته من ينسى الجلاد لينصرف إلى جلد الضحية. إنها مرارة تتجاوز حدود الألم الإنساني، حين تصدر من بعض الأصوات – مهما كانت قليلة أو شاذة – كلمات الشماتة بالمقاومة، أو التمني بزوالها، أو الاندفاع إلى ترديد رواية الاحتلال وتبرير أفعاله، وكأن المأساة بدأت بمن يدافع عن أرضه، لا بمن يحتلها.
إن هذا المشهد لا يمثل مجرد انحدار أخلاقي أو خلل في ميزان العدالة، بل يثير في الوقت ذاته قضايا قانونية بالغة الخطورة. فالقتل واسع النطاق للمدنيين، والتجويع المتعمد، والتهجير القسري، والاستهداف الواسع للأعيان المدنية، كلها أفعال قد تُشكّل، متى توافرت أركانها القانونية، جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بموجب اتفاقيات جنيف لعام 1949، والبروتوكول الإضافي الأول لعام 1977، ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. كما أنها أصبحت محل ادعاءات وإجراءات قانونية دولية تتعلق بجريمة الإبادة الجماعية، وهي مسائل يظل الفصل النهائي فيها من اختصاص الجهات القضائية الدولية المختصة.
ومهما اختلفت المواقف السياسية، فإن القانون الدولي الإنساني لا يجيز استهداف المدنيين أو استخدام التجويع وسيلةً للحرب أو فرض العقاب الجماعي على السكان الواقعين تحت الاحتلال، وهي قواعد آمرة في القانون الدولي لا يجوز تعطيلها أو الانتقاص منها تحت أي ذريعة.
الشماتة في زمن الإبادة… ألم فوق ألم
كيف يطيب لامرئ أن يترك جبال الجرائم التي تُرتكب صباح مساء بحق المدنيين، لينشغل بالبحث عن زلة هنا أو خطأ هناك لدى شعب ومقاومة يقاوما الاحتلال منذ عقود؟ أيُعقل أن يتحول الجلاد إلى شاهد، وأن تصبح الضحية هي المتهم؟! إن من يترك المحتل المعتدي، ويوجه سهام غضبه إلى من يدافع عن أرضه وكرامته، كمن يرى الذئب يفترس القطيع ثم ينصرف إلى محاكمة الراعي لأنه حمل عصاه دفاعاً عنه.
💬 التعليقات (0)