كاتب وباحث في علم الاجتماع السياسي.
حين نطالع السجال الديني أو العقائدي، وبعض الاختلاف حول قضايانا المركزية، على مواقع التواصل الاجتماعي في الوقت الراهن، نجد أنفسنا بحاجة ماسة إلى استعادة مفكر، كتب وعمل، في سبيل "الوحدة الوطنية" و"الوحدة العربية" و"الحوار بين الأديان" وأعطى "القضية الفلسطينية" مكانها في الانشغال والتفكير والتعبير، وهو الدكتور وليم سليمان قلادة (1924-1999)، الذي بات من الضروري استعارة منجزه أو نصوصه الكتابية، ومواقفه العملية، لتخفف من غلواء هذا السجال، ولا تتركه منزوع الانحياز إلى المشتركات الوطنية التي قد نختلف فيها، لكن يجب ألا نختلف عليها.
ينهي قلادة كتابه المهم "الكنيسة المصرية تواجه الاستعمار والصهيونية" قائلا: "أصبح من المحتم أن يتلاقى الشيخ والكاهن، عالم الإسلام ورجل اللاهوت. يتلاقون على أرض المحبة، التي صاغها شعبنا. وتم تبادل وجهات النظر لصالح الشعب العامل المناضل، وفي مواجهة الرجعية العالمية، والاستغلال والصهيونية، وسيطرة الدولار وتحكمه في ضمائر البشر".
كانت رؤيته هذه بنت سياقها وقت المد القومي، وهي نابعة من إيمانه بـ"مشروع وطني" يجب أن يقف فيه المسيحيون إلى جانب المسلمين في الشرق العربي، وخصوصا في مصر، لمواجهة الصهيونية، والمركزية الأوروبية، والاستغلال المصاحب للتوحش الرأسمالي، والأطماع الممتدة للغرب في بلادنا، حيث يعاد إنتاج وطرح "الحملات الصليبية" بأدوات أخرى، وطرق جديدة، تقوم على ربط التقدم بالاستعمار، واستمراء "فائض القيمة التاريخي".
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا المقام هو: ما العوامل أو العناصر التي ساهمت في تشكيل وعي هذا الرجل وجعلته يقيم الأمور على هذا النحو العميق المنتمي بما جعل تصرفه وما كتبه يجددان الرغبة في استعادته واستعارته لينفع واقعنا المعيش، لا سيما في أيام إذكاء التناحر السياسي والاجتماعي، والفتنة الطائفية؟
من يطالع مسيرة وليم سليمان قلادة يتأكد من أن هذا الوعي ليس ابن قراءة عميقة للتاريخ والواقع الاجتماعي والفكري فحسب، إنما هو أيضا حاصل تجربة أمدته بالكثير من المواقع والأحداث والأفكار التي جعلته يضع المسيحية الشرقية في مكانها السليم، من حيث تصورها عن "الآخر" المختلف دينيا في الوطن، و"الآخر" المختلف سياسيا واقتصاديا في العالم الخارجي الحديث والمعاصر، ثم يقيم حوارا بناء مع هذا "الآخر" بشقيه، اتكاء على روح الأديان التي لا تدعو إلى الشقاء، وعلى المشتركات الإنسانية التي يجب أن تنهض لتؤدي دورها في التعاون والخيرية.
💬 التعليقات (0)