في غزة، حيث اعتادت الطفولة أن تتحدث بلغة الخوف، اختارت الطفلة الفلسطينية ليان القوقا أن تتحدث بلغة الرسم. لم تحمل رسالة مكتوبة إلى سفارة، ولم تنتظر مؤتمرًا صحفيًا أو منصة سياسية. وقفت أمام جدار منزل مدمر، رسمت مع أحد الفنانين صورة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، ثم خاطبته بكلمات بسيطة خرجت من قلب طفلة تحاصرها الحرب. قالت ليان في الفيديو الذي نشرته عبر مواقع التواصل الاجتماعي: "أنا ليان من غزة، اليوم رسمنا رئيس وزراء إسبانيا، وأتمنى أن تصل إليه هذه الصورة، له وللشعب الإسباني الذي نحبه جدًا."
لم تكن تتوقع أن تصل الرسالة، لكن الفيديو انتشر سريعًا، متجاوزًا حدود غزة إلى ملايين المشاهدات، حتى وصل إلى مدريد.
بعد أيام قليلة، ظهر رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في رسالة مصورة نشرها عبر حسابه الرسمي على إنستغرام، بدأها باسم الطفلة نفسها. قال: "شكرًا لكِ يا ليان، وللفنانين على هذه اللفتة الجميلة. والشكر أيضًا لكل الفلسطينيين الذين أظهروا مشاعر المودة تجاه إسبانيا وسط كل هذا الألم، ووجدتم لحظة لترسلوا لنا محبتكم." ثم وجّه رسالة إلى أطفال غزة جميعًا: "أود أن أقول لليان ولكل أطفال غزة وعائلاتهم: إن المجتمع الإسباني بأسره يسمعكم، ويراكم، ويكن لكم المحبة. أتمنى أن يأتي قريبًا اليوم الذي يعود فيه أطفال غزة إلى الرسم في مدارسهم دون خوف، وأن يعيشوا مستقبلًا يسوده السلام. عناق كبير لكم من إسبانيا." لم تستطع ليان إخفاء دهشتها. عادت لتسجل مقطعًا جديدًا، وكانت كلماتها مليئة بالمفاجأة أكثر من الفرح. قالت: "رغم أننا ما نمتلك نفس اللغة، لكن نمتلك نفس القلوب الرحيمة." وأضافت:"هذه أول مرة أشوف رئيسًا يرد على واحد من غزة." وفي مقطع آخر نشرته بعد الانتشار الواسع للفيديو، قالت: "لأول مرة يرد رئيس وزراء على طفلة من غزة... وهذه الطفلة هي أنا. عندما سمعت اسمي، ليان، على لسانك، لم أصدق ذلك." وختمت رسالتها: "شكرًا لكم جميعًا، وشكرًا لإسبانيا، وشكرًا لشعبها، وشكرًا لرئيس وزرائها... كل الحب لكم."
لم يكن الرسم مجرد لوحة فنية، بل محاولة طفلة لتقول إن غزة، رغم الدمار، ما زالت تعرف الامتنان. اختارت ليان أن ترسم وجه رئيس الحكومة الإسبانية تقديرًا للمواقف التي تبنتها مدريد تجاه القضية الفلسطينية، في وقت يعيش فيه القطاع حربًا مدمرة وأزمة إنسانية غير مسبوقة. وتحولت الصورة التي رُسمت على جدار منزل مدمر إلى رسالة إنسانية تجاوزت الحدود واللغات، لتصل إلى من وُجهت إليه، ثم تعود برد حمل اسم صاحبتها.
وفي زمن تتزاحم فيه البيانات السياسية والتصريحات الدبلوماسية، استطاعت كلمات طفلة من غزة أن تحقق ما لم تحققه خطابات كثيرة. لم تطلب ليان سلاحًا ولا موقفًا سياسيًا، بل أرسلت صورة رسمتها بيديها، فعاد إليها الرد محملًا باسمها. وبين جدار تهدم في غزة، وشاشة هاتف في مدريد، أثبتت ليان القوقا أن صوت الأطفال، مهما بدا خافتًا، قد يجد من يسمعه عندما يخرج من القلب.
💬 التعليقات (0)