f 𝕏 W
مالك جندلي: عبقرية التوفيق بين المقام الشرقي والهارموني الغربي

جريدة القدس

اقتصاد منذ 12 أيام 👁 0 ⏱ 7 د قراءة
زيارة المصدر ←

مالك جندلي: عبقرية التوفيق بين المقام الشرقي والهارموني الغربي

🤖
ملخص ذكي بالذكاء الاصطناعي
مُلخَّص تلقائياً من الخبر الأصلي
يسلط الخبر الضوء على مشروع الموسيقار السوري العالمي مالك جندلي، الذي يمثل جسراً مبتكراً بين الموسيقى الشرقية والغربية. يدمج جندلي المقامات الشرقية ضمن إطار الهارموني الكلاسيكي الغربي، مستخدماً الفن كأداة للمقاومة السلمية وحراسة الذاكرة ونشر السلام. تتجلى عبقريته في التوفيق بين الروح الهائمة للمقام الشرقي والنظام الصارم للهارموني الغربي، مما يخلق لغة موسيقية فريدة تحتفي بالهوية العربية وتتفاعل مع التقنيات الأوركسترالية العالمية.
📌 أبرز النقاط

يبقى الالتقاء بين الشرق والغرب معضلة لطالما تناولتها مجالات الفكر، وكم تبدلت العلاقة بينهما على مر الزمان، وتحولت من أخذ إلى رد ومن شد إلى جذب. يسطع الشرق بنوره حيناً وتمتد أشعته إلى أقاصي الغرب، لتبدد بعضاً من ظلمته، ثم يسقط الشرق في الظلام ويمضي يلتمس شيئاً من نور شمس أشرقت في الغرب، بينما يمارس هذا الغرب هيمنته واستعلاءه على شرق بات حزيناً مظلماً، لكنه على الرغم من ذلك يحمل في أعماقه نوراً قديماً، وشمساً عتيقة تنتظر أن تنقشع عنها سحائب الضعف والفتور. هناك العديد من المشاريع الفكرية التي قاربت تلك المعضلة، وتناولت العلاقة بين الشرق والغرب بالبحث والتحليل، كما انعكست تلك المعضلة على الآداب والفنون المختلفة، ويمكن القول إنها من الأركان الأساسية في مشروع الموسيقار السوري العالمي مالك جندلي، ذلك المشروع الموسيقي الذي تتعدد وجوهه الفكرية والإنسانية والتاريخية بشكل مركب ومتشابك، حيث يدمج الهوية الموسيقية العربية في القوالب الكلاسيكية الغربية، ويوظف الفن كأداة للمقاومة السلمية وحراسة الذاكرة ونشر السلام. بنى مالك جندلي جسراً بين الموسيقى الكلاسيكية الغربية والتراث الموسيقي العربي، وخلق اتصالاً جديداً مبتكراً بين الشرق والغرب، من خلال لغتين موسيقيتين تختلفان عن بعضهما اختلافاً كبيراً.

الروح الهائمة والنظام الصارم

قبل أن تتوزع الموسيقى بين الشرق والغرب، توزعت الحياة منذ البداية أيضاً، فكان الميلاد والسنوات الخمس الأولى من الطفولة في ألمانيا، ثم العودة إلى الوطن السوري، والنشأة والتكوين والدراسة في مدينة حمص، والتردد الدائم على دمشق من أجل الدراسة في معهد الموسيقى، ثم الانطلاق مرة أخرى نحو الغرب بعد إتمام المرحلة الثانوية، لاستكمال الدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، بعد ذلك أتت سنوات طوال جعلت من البقاء خارج سوريا إجبارياً، وصار الوطن مكاناً لا يمكن الرجوع إليه بالنسبة إلى فنان حمل صوت الثورة السورية في موسيقاه إلى جميع المحافل الدولية. تعد ثنائية المقام والهارموني ركيزة أساسية يقوم عليها مشروع مالك جندلي الموسيقي والفكري، حيث يعمل على توظيف المقامات الشرقية وفق نظرية علم الانسجام (الهارموني) في الموسيقى الكلاسيكية. والمقام هو روح الموسيقى العربية وبستانها الوافر الذي تتألف من خلاله الأنغام، والهارموني هو أساس الموسيقى الكلاسيكية ونظامها الصارم الذي يسمو بلغتها ويرتقي بها. لا تتفوق الموسيقى الكلاسيكية الغربية على الموسيقى التراثية العربية جمالياً، وإنما تتميز بنظامها العلمي الدقيق إلى جانب جمالياتها هي الأخرى بالطبع، فكل موسيقى تحمل روح بلادها ومزاج شعوبها وخيال بيئتها، بل وأحوال السياسة وفترات النهوض والانحطاط أو القوة والضعف، فالموسيقى أصدق لسان يعبر عن العصر والأمة. تختلف الموسيقى الغربية عن الموسيقى العربية في الأنغام والأوزان والمقاييس وأساليب التأليف، فهي تعتمد على المسافة الكاملة ونصف المسافة، بينما تعتمد الموسيقى العربية على المسافات القصيرة وأرباع المسافات، بالإضافة إلى مجموعة هائلة من المقامات. في الموسيقى العربية يمثل المقام نظاماً نغمياً أساسياً تتشكل الألحان من خلاله، لكنه نظام مرن يستطيع أن يتحرك في مساحات كبيرة، وترتكز المقامات على تتابع الأبعاد الموسيقية، وتتميز بالربع تون الذي هو البعد الجمالي الذي يمنح الموسيقى العربية صوتها الفريد المميز. ولكل مقام مساره الديناميكي ونغماته الرئيسية والثانوية التي تحدد الروح والعاطفة، سواء كانت الحزن والشجن كمقام الصبا، أو القوة والبهجة كمقام العجم على سبيل المثال. يختلف كل مقام عن الآخر في التكوين والطابع واللون والمسافات والترتيب النغمي الخاص ودرجة الركوز، والمقام هو الأساس الذي يبنى عليه اللحن ويتم التأليف من خلاله، وإذا كانت الموسيقى العربية تتميز بعذوبة اللحن والطرب الشجي، فهذا نابع من المقام، أو من الثراء المقامي الكبير، حيث تتعدد المقامات بصورة واسعة، وتصنع باليت موسيقية شديدة التنوع اللوني. أما الموسيقى الغربية الكلاسيكية فيحكمها نظام دقيق صارم، وعلم الهارموني الذي هو جوهر الفرق بينها وبين الموسيقى العربية، وتعتمد على مقامين، أو سلمين فقط، هما السلم الكبير والسلم الصغير، ولكل منهما طابعه ومزاجه أيضاً وترتيب أبعاده، لذا نجد في الموسيقى الكلاسيكية، مقطوعة ما يقال إنها مؤلفة في سلم سي الكبير مثلاً، أي أنها مؤلفة في السلم الموسيقي بدءاً من نغمة سي وفقاً لترتيب أبعاد المقام الكبير. وعلى الرغم من اقتصار الموسيقى الغربية على سلمين فقط، إلا أنها تكثف نفسها رأسياً بالهارموني وأفقياً بالكونترابنط.

يعالج مالك جندلي إحدى أكثر القضايا الفنية تعقيداً في مجال التأليف الموسيقي، وهي التوفيق بين المقام العربي والهارموني الغربي، حيث ينتمي كل منهما إلى منظومة جمالية وفكرية نشأت في سياق حضاري يختلف تمام الاختلاف عن الآخر. وما ذهب إليه جندلي لم يكن يحتمل المغامرة أو الخطأ أو حتى الضعف، فمن العسير أن تجعل أعتى الفرق الأوركسترالية في العالم، تعزف موسيقى لمؤلف موسيقي عربي مسلم، جاء ينافس الغرب في رمز من أهم رموزه الحضارية كالموسيقى الكلاسيكية، بل ويحمل إليهم هذا الموسيقار لمحات تراثية من موسيقى وحضارة بلاده، ويجعل الأوركسترا السيمفوني أو الفيلهارموني تعزف مقام هزام مثلاً، أو مقام حجاز، لم يكن من الممكن تحقيق ذلك إلا إذا استوفت الموسيقى أرقى شروطها الفنية، وبعد أن تمت إعادة صياغة المقامات وفق علم الهارموني بطريقة أكاديمية رفيعة المستوى. لا يقوم مالك جندلي باستعراض عناصر التراث الموسيقي العربي، من ألحان ومقامات وإيقاعات وآلات، وإنما يعمل بجد على بناء لغة موسيقية تثبت قدرتها على استيعاب منطقين موسيقيين مختلفين في الوقت ذاته. ولا تظهر استلهاماته من التراث العربي كلمحات شرقية ذات طابع فولكلوري سطحي، بل تتجلى كعنصر قوي يتغلغل داخل البناء السيمفوني، ويتفاعل مع تقنيات التأليف الأوركسترالي. ورغم أن المقام هو الذي يتم تكييفه داخل الإطار العلمي للهارموني، إلا أن جندلي لا يجعله تابعاً ضعيفاً، بل محاوراً خطيراً يفرض حضوره البهي بحمولته الثقافية الهائلة. تكمن صعوبة هذه المهمة في الاختلاف العميق بين المقام والهارموني، فالمقام العربي يعتمد بشكل أساسي على اللحن الأفقي، حيث تتحدد شخصية المقام من خلال المسار النغمي، ونقاط الارتكاز، والجمل التقليدية وأساليب الانتقال بين الاجناس. أما الهارموني فيبني منطقه على التتابع الرأسي للتآلفات، وعلى العلاقات الوظيفية بين الدرجات الموسيقية، ما يخلق ثنائية التوتر والاستقرار التي تقود حركة العمل الموسيقي، ولذلك قد يؤدي تطبيق الهارموني الكلاسيكي على الألحان المقامية، إلى طمس خصائص المقام، خاصة عندما تفرض عليه تآلفات صممت أصلاً لخدمة نظام السلم الكبير والسلم الصغير في الموسيقى الغربية.

تغلب مالك جندلي على هذه المشكلة، فلم يجعل من الهارموني سلطة تهيمن على المقام، ولم يعزل المقام عن إمكانات الكتابة السيمفونية، وإنما تعامل مع العلاقة بينهما كعملية مستمرة من التحاور العميق، تسمح لكل عنصر بتقديم نفسه والاحتفاظ بجزء من استقلاله، مع إيجاد المساحة المشتركة للالتقاء والتناغم. لهذا نجد في أعماله ما يمكن تسميته بإعادة مفهوم الاندماج، إذ لا تذوب الهوية الشرقية داخل القالب الغربي، ولا يتم رفض التقنيات الغربية بدافع المحافظة على التراث، بل يجري العمل على إنتاج لغة موسيقية تثمن وتبرز مزايا الطرفين وتخلق جمالية مضاعفة. وتنم مؤلفاته عن وعي كبير بأن الهوية الموسيقية لا تتحقق بمجرد استخدام مقام شرقي أو إيقاع عربي، بل من خلال إمعان التفكير في المادة الموسيقية نفسها، وطول التأمل في المقام لا كمجموعة من النغمات فحسب، وإنما كنظام تعبيري يحمل تاريخاً ثقافياً كبيراً، يتطلب إدخاله إلى العمل السيمفوني جهداً هائلاً في إعادة صياغة العلاقات بين اللحن والهارموني والتوزيع الأوركسترالي بطريقة تحافظ على روحه الأصلية، وتمنحه في الوقت نفسه حضوراً جديداً داخل الكتابة السيمفونية. لم يقع مالك جندلي في فخ التقليد أو الاستشراق أو الفولكلورية السطحية، وذهب يبني جسوراً حقيقية بين الحضارات ويؤلف بين جميع البشر، ويدفع بالسامع العربي نحو عالم الموسيقى الكلاسيكية، ويذيق السامع الغربي شيئاً من جمال موسيقانا العربية. لذلك لا تقتصر ثنائية المقام والهارموني في أعماله على جماليات وتقنيات الموسيقى، بل هي نابعة من رؤية فكرية وأهداف استراتيجية، تؤمن بدور الموسيقى وقدرتها على إقامة حوار ثقافي وحضاري، وتغيير الصورة النمطية في الغرب عن العرب والمسلمين. كما قدم إجابة عن سؤال فني لطالما طرح من مختصي الموسيقى في بلادنا، لماذا لا يفهم العالم الغربي موسيقانا؟ ولماذا لا يستمع إليها كما نستمع نحن إلى موسيقاه؟

رحلة مع المقامات الهارمونية

📰
المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس

شارك هذه المقالة

💬 التعليقات (0)