ليست غزة اليوم بحاجة إلى من يخبرها من انتصر، ولا إلى رواية جديدة تُضاف إلى أرشيف الروايات المتصارعة. غزة بحاجة إلى سؤال أكثر قسوة وصدقاً : كيف ستنجو؟
كيف سيعود الطفل إلى مدرسته؟ كيف يستعيد المريض مستشفاه؟ كيف يعود الشيخ إلى بيته وشارعه وذاكرته؟ كيف تستعيد الأم شيئاً من الطمأنينة التي سُلبت منها؟ وكيف يمكن لقطاع أنهكته الحرب، وأثقلته الخسائر والدمار، أن ينتقل من مجرد النجاة إلى استعادة الحياة؟
من هذه الزاوية ينبغي النظر إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة. فهي ليست مجرد فصل تفاوضي جديد، ولا مساحة إضافية للصراع على النفوذ والشرعية بين الأطراف، بل هي اختبار حقيقي لقدرة الفلسطينيين على تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الفصائلية، وتحويل وقف الحرب من هدنة مؤقتة إلى بداية لمسار فلسطيني جديد.
فغزة ليست "جائزة سياسية" لأحد، وليست ورقة تفاوضية لأي فصيل، وليست ساحة لإثبات القوة أو تثبيت النفوذ. غزة شعب؛شعب دفع من أرواحه وبيوته وأمنه ومستقبله ما يكفي، ولم يعد يحتمل أن تكون حياته رهينةً لحسابات سياسية أو أمنية تتجاوز احتياجاته المباشرة.
نحن نتحدث عن أطفال لا يعرفون من الحرب إلا الخوف، وعن شيوخ يريدون أن يعيشوا ما تبقى من أعمارهم بكرامة، وعن أمهات يبحثن عن معنى للاستمرار، وعن شباب يريدون أن يدرسوا ويعملوا ويبنوا مستقبلهم بدل أن يرثوا الحرب كما يرث الناس الأرض والبيوت.
لهذا، فإن الأولوية الآن ليست لمن يملك الرواية الأقوى، ولا لمن يستطيع أن يقدم نفسه باعتباره المنتصر. الأولوية لمن يستطيع أن يحمي الإنسان الفلسطيني، ويوقف نزيفه، ويفتح أمامه الطريق إلى الحياة.
💬 التعليقات (0)