خاص - شبكة قُدس: منذ بدء حرب طوفان الأقصى وحرب الإبادة على قطاع غزة، تشهد الضفة الغربية تحولات متسارعة في أنماط التوسع الاستيطاني وتصاعد اعتداءات المستوطنين، ضمن المشروع الاستعماري الصهيوني المستمر. ولا تقتصر هذه التحولات على إقامة بؤر استيطانية جديدة أو توسيع القائم منها، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للفلسطينيين، وإلى الكيفية التي تُفرض بها وقائع جديدة على الأرض.
وتستند هذه القراءة إلى متابعة ميدانية للتحولات المرتبطة بالتوسع الاستيطاني في مختلف مناطق الضفة الغربية، في سياق التحولات التي تسارعت منذ بدء الحرب، مع تركيزها على الأحداث التي رُصدت منذ بداية العام الحالي. ولا تتعامل مع هذه الأحداث باعتبارها أحداثاً منفصلة، بل تقرؤها ضمن سياقها الزماني والجغرافي، بما يكشف الأنماط المتكررة في عمل منظومة الاحتلال الصهيوني والاستيطان، بوصفها مساراً واحداً يستهدف توسيع السيطرة على الأرض الفلسطينية وإعادة تشكيل جغرافيتها.
وتكشف المتابعة الميدانية امتداد هذه التحولات عبر الضفة الغربية، من قرى نابلس التي برزت بوصفها أكثر مناطق الضفة الغربية تعرضاً لاعتداءات المستوطنين والتوسع الاستيطاني، إلى التجمعات الفلسطينية المحيطة برام الله، ثم جنوباً نحو الخليل ومسافر يطا، مع امتداد هذه التحولات إلى القدس والأغوار الشمالية وسلفيت وبيت لحم، كما تظهر في جنين وقلقيلية وطولكرم وأريحا. وبهذا تتشكل خريطة تُظهر كيف تتكرر أنماط عمل منظومة الاحتلال الصهيوني والاستيطان في مناطق متباعدة، ضمن مسار واحد يعيد تشكيل الجغرافيا الفلسطينية.
لا يمكن قراءة كثافة النشاط الاستيطاني في الضفة الغربية منذ بداية العام بوصفها تزامناً بين توسع استيطاني واعتداءات متفرقة. فعند جمع الأحداث ضمن سياق واحد، يظهر نمط يتكرر في مناطق مختلفة رغم اختلاف طبيعتها الجغرافية. وهذا النمط هو ما يمنح الأحداث معناها، ويُظهر أن إعادة تشكيل الجغرافيا لا تبدأ من الخريطة، وإنما من آليات السيطرة التي يفرضها الاحتلال على الأرض بصورة تدريجية.
فقراءة المشهد الحالي في الضفة الغربية توضح أن النشاط الاستيطاني لا يعمل بوصفه أداة منفردة، بل من خلال تداخل مستمر بين إنشاء البؤر الاستيطانية، واعتداءات المستوطنين، والسيطرة على الأراضي، وإجراءات الاحتلال التي توفر لهذه الأنشطة الحماية والاستمرارية. ولا تكمن أهمية هذه الأحداث في حدوث كل منها على حدة، وإنما في تكرار ارتباطها داخل المناطق نفسها، بما يحولها من أحداث منفصلة إلى مسار متكامل يعيد تشكيل المجال الفلسطيني بصورة تدريجية.
ويعني ذلك أن أثر النشاط الاستيطاني لا يُقاس فقط بما يُضاف من بناء استيطاني، بل أيضا ًبما يُنتزع من قدرة الفلسطينيين على استخدام المكان. فكلما تكررت السيطرة على الأراضي، أو تصاعدت اعتداءات المستوطنين، أو فُرضت قيود جديدة على الوصول والحركة، تغيرت الوظيفة اليومية للأرض والطرق والمحيط الزراعي، وانكمش الحيز الذي يستطيع الفلسطينيون استخدامه بحرية. وهكذا، يصبح التحول الجغرافي نتيجةً لتراكم هذه الممارسات، لا نتيجةً لحدث واحد بعينه.
💬 التعليقات (0)