في فيلم "باتمان يبدأ"، وهو العمل الأول بين ثلاثية باتمان التي أعاد فيها المخرج الأمريكي كريستوفر نولان إنتاج الشخصية الكرتونية، تبدأ أسطورة باتمان بالثري الأمريكي بروس واين ملتحقا بجامعة الظل، وهو تنظيم من المقاتلين المحترفين يتزعمه رجل خفي يدعى رأس الغول. ينجح واين في اجتياز التدريبات المستحيلة كمقاتل في جامعة الظل التي تسعى إلى إقرار العدالة، ولكنه يفشل في الاختبار الأخير، حين يأمره رأس الغول أو من يدعي أنه هو رأس الغول بأن يذبح لصا. لم ينبع فشل واين من عجزه عن قتل الرجل، ولكن من إيمانه بأن العدالة لا ينبغي أن تخلو من الرحمة.
عبر الثلاثية يقيم نولان ثنائيات حضارية متقابلة من هذا النوع، فالثري الغربي واين يمثل الرحمة في مقابل إطلاق العدالة القاسية من قبل الكاهن المحارب الشرقي رأس الغول. ليس من السهل هنا مقاومة الإغراء بإسقاط ذلك على السياق التاريخي لتلك اللحظة، حيث تطارد الولايات المتحدة أشباح أسامة بن لادن بين أفغانستان والعراق، بحيث يمثل بن لادن الشيخ الشرقي المقاتل الباحث عن العدالة مهما كانت قاسية ودموية، في مقابل "البيزنس مان" الغربي الذي لا يرفض العدالة، ولكنه يقيدها بالرحمة. بذلك يقول نولان ضمنيا إنه يتفهم مظالم الكاهن الشرقي، وأن جوثام ليست المدينة الفاضلة، لكن قيم جوثام تبقى أكثر إنسانية من بدائلها.
تتكرر المقابلات في الجزءين التاليين من الثلاثية. ففي "فارس الظلام"، تقوم المواجهة بين العدالة القانونية البطيئة ممثلة في المدعي العام هارفي دينت، والعدالة الناجزة الخارجة عن القانون ممثلة في باتمان. ثم في "فارس الظلام ينهض"، يواجه الحكم المؤسسي الذي يشوبه الفساد لكنه يبقى أكثر اتزانا ورحمة، تحدي الشعبوية التي تبحث عن عدالة انتقامية تدمر المدينة.
"تعد عقدة الذنب التي تتملك الذات الغربية موضوعا رئيسيا للعديد من أعمال نولان"
يظل ذلك هو الموضوع الرئيسي للعديد من أعمال نولان، إعادة النظر في عقدة الذنب التي تتملك الذات الغربية، مع البحث عما تعبر عنه تلك العقدة من قيم إنسانية في قلب الذات الحضارية. لا يريد نولان أن يدافع عن الحضارة الغربية بوصفها حضارة مثالية، ولكن بوصفها حضارة تحمل قيما إنسانية رفيعة، ومستعدة دوما لنقد الذات والشعور بالندم على أخطائها.
تتكرر الفكرة نفسها في أعمال مثل "دانكيرك" و"أوبنهايمر". في "دانكيرك" يحيي نولان مجد "النصر الديمقراطي" في الحرب العالمية الثانية على القوى الفاشية والنازية، لكن النصر يبدأ من لحظة الانكسار، حين تتمكن الديمقراطية أن تصمد رغم الألم والانسحاب. أما في "أوبنهايمر"، فإن العالم الأمريكي يندم على خطيئة القنبلة الذرية التي لم يسقط فيها إلا تحت ضغط التهديد النازي، ويحيا حياته بعد ذلك محاولا التكفير عن تلك الخطيئة واستعادة التوازن إلى العالم.
💬 التعليقات (0)