في لحظة إعلان نتائج التوجيهي تتوقف الأنفاس وتتعالى الزغاريد وتذرف دموع الفرح. مشهد يتكرر كل عام في بيوتنا. لكن ما إن ينقشع غبار الاحتفال حتى يجد الطالب نفسه أمام سؤال مصيري ثقيل. ماذا سأدرس. هذا السؤال الذي يطرح في لحظة نشوة أو قلق يحدد مسار حياة كاملة. وفي القدس حيث الخيارات الجامعية محدودة والضغوط مضاعفة يصبح هذا القرار أكثر تعقيدا. الطالب الذي كان قبل أيام مجرد مراهقا يحفظ المقررات يُطالب فجأة باتخاذ قرار استراتيجي يمتد أثره لعقود. يقول جون ديوي في فلسفته التربوية إن التعليم ليس إعدادا للحياة بل هو الحياة نفسها. ومع ذلك نحن نعامل لحظة اختيار التخصص وكأنها مجرد إجراء إداري لا فعل وجودي يحدد هوية الإنسان ومعنى أيامه.
هنا تبدأ مأساة وهم التخصصات المرموقة. ثقافة مجتمعية متجذرة تربط القيمة الإنسانية بلقب طبيب أو مهندس. يندفع الطلبة المتفوقون نحو هذه التخصصات لا حبا فيها بل استجابة لضغط خفي أو صريح من محيطهم. رأيت طلابا حصلوا على معدلات شبه كاملة ودخلوا كليات الطب والهندسة ليرضوا غرور عائلاتهم. النتيجة كانت كارثية. فقدان للدافعية وتراجع في الأداء وصراع نفسي مرير. الطالب يدرس ما لا يحب ليعمل في مهنة لا تشبهه. وهذا ما حذر منه باولو فريري حين وصف التعليم القائم على التلقين بأنه نموذج بنكي يحول الطالب إلى وعاء فارغ يستقبل ما يودعه الآخرون فيه دون أن يكون له صوت في تحديد مساره.
الخلل الجذري يبدأ من المدرسة. نظامنا التعليمي يركز على التحصيل الأكاديمي ويهمل اكتشاف الميول والقدرات. نخرج طالبا يعرف قوانين الفيزياء المعقدة لكنه لا يعرف نفسه. يغيب دور الإرشاد التربوي الحقيقي الذي يربط بين المناهج وسوق العمل. لا توجد برامج تقيس الذكاءات المتعددة أو توجه الطالب نحو مساره الصحيح. هوارد غاردنر صاحب نظرية الذكاءات المتعددة يقول إن الذكاء هو القدرة على حل المشكلات أو إنتاج ما هو ذو قيمة في سياق ثقافي معين. ومع ذلك لا تزال مدارسنا تقيس نوعين فقط من الذكاء وتصنف البقية في خانة الفشل. الطالب يحتار لأنه يفتقر إلى الوعي بالتخصصات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والتصميم التعليمي. يختار بناء على المعدل فقط خائفا من المستقبل ومحاصرا بتوقعات الأسرة.
لغة الأرقام تكشف حجم الكارثة. تشير إحصائيات المركز الوطني لإحصاءات التعليم في الولايات المتحدة لعام ألفين وثمانية عشر إلى أن ثمانين بالمئة من طلبة الجامعات يغيرون تخصصاتهم مرة واحدة على الأقل. وفي تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لعام ألفين وخمسة وعشرين نجد أن أكثر من عشرين بالمئة من الطلبة الجدد في برامج البكالوريوس في عدة دول يتركون مقاعد الدراسة في السنة الأولى. السبب الرئيسي كما توضح الدراسات هو عدم التوافق بين ميول الطالب وطبيعة التخصص. هذه الأرقام ليست مجرد بيانات إحصائية بل هي ترجمة رقمية لآلاف القصص الإنسانية التي ضاعت بين جدران تخصصات لم يخترها أصحابها.
هذا التخبط الأكاديمي له ثمن نفسي باهظ. دراسة حديثة نشرت في مجلة فرونتيرز في علم النفس عام ألفين وخمسة وعشرين أثبتت وجود ارتباط إيجابي بين الاكتئاب والاحتراق الأكاديمي لدى الطلبة الذين يدرسون تخصصات لا تناسبهم. الطالب الذي يجبر على مسار لا يميل إليه يستنزف طاقته النفسية ويصبح عرضة للاحتراق المبكر. وهذا ما يؤكده كين روبنسون حين يقول إن الإبداع في التعليم بات بأهمية محو الأمية ويجب أن نعامله بنفس المكانة. حين نقتل الإبداع داخل الطالب بإجباره على مسار لا يناسبه نحن لا نضر به وحده بل نضر بالمجتمع كله.
لو نظرنا إلى تجارب دولية ناجحة لوجدنا حلولا عملية. النموذج الألماني للتعليم المهني المزدوج يقدم مثالا يستحق التأمل. في ألمانيا يختار نحو ستين بالمئة من الطلبة مسار التعليم المهني الذي يدمج بين الدراسة النظرية والتدريب العملي في الشركات. هذا النظام ساهم في خفض معدل البطالة بين الشباب الألماني إلى مستويات قياسية مقارنة بباقي دول أوروبا. الطالب هناك يختبر المهنة قبل أن يلتزم بها. يتعلم بجسده وعقله معا لا بذاكرته فقط.
💬 التعليقات (0)