تواجه تونس مفارقة حادة في قطاع المياه، حيث لم يشفع ارتفاع منسوب السدود إلى 60% من طاقتها الإجمالية في إنهاء معاناة المواطنين مع الانقطاعات المتكررة. وتكشف البيانات الرسمية أن المخزون الحالي الذي يقدر بنحو 2.3 مليار متر مكعب يعد مطمئناً مقارنة بالسنوات العجاف الماضية، إلا أن أزمة التوزيع لا تزال تراوح مكانها في العديد من الولايات.
وأفادت مصادر مطلعة بأن المرصد التونسي للمياه رصد مئات البلاغات خلال شهر يونيو الماضي، تعلقت أغلبها بانقطاعات فجائية وغير معلنة في شبكات الشرب. ولم تقتصر المشكلة على توفر المياه فحسب، بل امتدت لتشمل جودتها، حيث سجلت بلاغات عن تلوث وتغير في خصائص المياه في مناطق مختلفة، مما أثار موجة من الاحتجاجات الشعبية.
ويربط خبراء ومسؤولون سابقون بين أزمة المياه وتذبذب التيار الكهربائي، حيث تعتمد عمليات ضخ المياه من الآبار الجوفية ونقلها عبر المحطات بشكل كلي على الطاقة. ومع ارتفاع درجات الحرارة التي لامست 50 درجة مئوية، يزداد الضغط على الشبكة الكهربائية، مما يؤدي آلياً إلى توقف إمدادات المياه في ظل غياب البدائل الطاقية المستدامة.
وتبرز ولاية سوسة كأحد أكثر المناطق تضرراً، نظراً لافتقارها لموارد مائية ذاتية واعتمادها الكلي على تحويل المياه من مناطق الشمال. هذا الاعتماد الجغرافي يجعل المحافظات الساحلية عرضة لأي خلل تقني أو لوجستي يحدث في قنوات النقل الطويلة التي تربط بين السدود ومراكز الاستهلاك الكبرى.
وفي محاولة لإدارة العجز خلال ذروة الصيف، تلجأ السلطات المختصة إلى سياسة القطع الدوري للمياه خلال ساعات الليل لتمكين الخزانات من الامتلاء مجدداً. وتهدف هذه الإجراءات إلى ضمان وصول المياه للطوابق العليا في المدن المكتظة، خاصة مع تضاعف الطلب الناتج عن حركة السياحة الداخلية والاصطياف في المناطق الساحلية.
أما في المناطق الريفية، فتتخذ الأزمة طابعاً إدارياً وهيكلياً، حيث يعتمد نحو مليون ونصف المليون تونسي على جمعيات مائية محلية لإدارة شؤونهم. وتعاني هذه الجمعيات من مشاكل مزمنة تتعلق بسوء التصرف والديون المتراكمة، مما دفع بمطالبات واسعة لإنشاء مؤسسة وطنية متخصصة تتولى إدارة مياه الأرياف بشكل احترافي.
💬 التعليقات (0)