هناك فرقٌ شاسع بين أن تُدمَّر مدينة، وأن تُوضَع داخل أو/ وعلى مفرمة.
فالمدينة المدمَّرة قد تنهض من تحت الركام، وتعيد بناء بيوتها، وتسترجع أسماء شوارعها وذاكرة أطفالها. أما المدينة التي تدخل المفرمة، فإنها لا تُهدم فقط، بل تُجزَّأ، وتُفتَّت، وتُعاد صياغتها إلى شظايا يصعب جمعها من جديد. وهذا هو الفارق الفلسفي العميق الذي التقطه الفنان الفلسطيني خالد حوراني في واحدة من أكثر لوحات معرضه "1030+" إيلامًا وإثارة للأسئلة.
لم تكن المفرمة في اللوحة آلةً معدنيةً تدور ببرود، أو قطعة خشب عادية متواجدة داخل مطبخ منازلنا، بل كانت استعارةً لعصرٍ كامل، أصبح فيه الإنسان قابلًا للتقطيع، والوطن مشروعًا للتفكيك، والذاكرة هدفًا للمحو. فالفنان لا يرسم الحرب كما تراها الكاميرات، بل يرسم المنطق الذي يحكمها؛ المنطق الذي يحول المدن إلى مواد خام، والناس إلى أرقام، والحياة إلى ملف إحصائي.
في معرض "1030+"، الذي يحمل عنوانه عدد الأيام التي مرت على الإبادة المستمرة في غزة، لا يكتفي خالد حوراني بتوثيق الألم، فهو يدرك أن الأخبار تؤدي هذه المهمة كل ساعة، وأن الصور القادمة من غزة تجاوزت قدرة العين على الاحتمال. لذلك اختار طريقًا أكثر صعوبة؛ أن يرسم ما لا تستطيع الكاميرا أن تلتقطه، وأن يمنح الفلسفة لونًا، والغياب هيئة، والضمير صورة.
في لوحات أخرى من المعرض، نرى الأطفال معلّقين بين الأرض والسماء، والنساء النازحات يسترحن فوق الغيوم، ورجلًا يحمل دلوي ماء يحملان شعار الأمم المتحدة، وكأن العالم الذي وعد بالحماية لم يترك سوى شعاره مطبوعًا على أوعية الإغاثة. السماء هنا ليست فضاءً رومانسيًا، بل ملاذًا مؤقتًا من جحيم الأرض، وكأن الفنان يقول إن الأرض لم تعد تتسع للحياة، فاضطرت الأرواح إلى استعارة الغيم حتى تنتهي الحرب.
لكن أكثر اللوحات قسوة ليست تلك التي ترتفع فيها الأجساد نحو السماء، بل تلك التي تعود بنا إلى الأرض، إلى لوح خشبي صامت لا يحتاج إلى شرح: المفرمة...
💬 التعليقات (0)