بعض الرجال لا يرحلون حين تغادر أرواحهم أجسادهم، لأنهم يكونون قد تجاوزوا حدود الزمن العابر، وتحولوا إلى جزء أصيل من ذاكرة شعوبهم، وإلى قيم ومبادئ وأخلاق تستمر في وجدان الأجيال التي عرفتهم، وعاشت معهم مسيرة النضال والتضحية والعطاء، ومن بين هؤلاء القادة الذين تركوا أثراً لا يمحوه الغياب، يبرز اسم الرفيق القائد المؤسس الدكتور سمير غوشة، الأمين العام السابق لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، الذي غادرنا في الثالث من آب عام 2009، بعد حياة حافلة بالكفاح الوطني والتضحية والعطاء الإنساني العميق.
تمر ذكرى رحيله، فنحن لا نستحضر مجرد تاريخ لفقدان قائد، بل نستعيد سيرة إنسان وقيمة ومدرسة، ونستعيد حضور رجل آمن بأن النضال ليس مهنة ولا موقعاً ولا امتيازاً، بل مسؤولية تاريخية وأخلاقية تجاه الوطن والشعب والإنسان.
لقد كان الرفيق الدكتور سمير غوشة واحداً من أولئك القادة الذين صنعوا حضورهم الحقيقي من خلال قربهم من الناس، وثباتهم على المبادئ، وقدرتهم على الجمع بين صلابة الموقف السياسي ودفء العلاقة الإنسانية.
كانت علاقتي بالرفيق د. سمير غوشة من أجمل محطات العمر وأكثرها عمقاً وتأثيراً، فقد جمعني به طريق طويل من النضال والعمل الوطني، وتعلمت منه الكثير في مدرسة التجربة والممارسة، تلك المدرسة التي لا تبنى بالكلمات، بل بالمواقف والتضحيات.
تربينا على يديه في دروب العمل الوطني، ونهلنا من فكره وسلوكه ومواقفه معاني الالتزام والانتماء والوفاء، وتعلمنا أن المناضل الحقيقي هو الذي يجعل من حياته امتداداً لقضية شعبه، ومن سلوكه اليومي تعبيراً عن المبادئ التي يؤمن بها.
لم يكن بالنسبة لنا قائداً تنظيمياً فحسب، بل كان مدرسة نضالية وإنسانية متكاملة، تعلمنا منه أن القيادة الحقيقية لا تقاس بالألقاب والمواقع، وإنما بقدرة القائد على صناعة الأمل، وبناء الإنسان، ورعاية الطاقات الشابة، وحماية القيم التي من أجلها يخوض الإنسان معركة النضال.
💬 التعليقات (0)