ليست الغاية من هذا المقال الانتصار لطرف على حساب آخر، ولا الانحياز إلى شخص أو تيار، وإنما الدفاع عن حركة حملت المشروع الوطني الفلسطيني لعقود طويلة، وما زالت تتحمل مسؤولية تاريخية في واحدة من أخطر المراحل التي تمر بها القضية الفلسطينية، فالحركات الوطنية الكبرى لا تضعف بالنقد، وإنما تضعف عندما تؤجل الإجابة عن الأسئلة الكبرى، أو تتردد في مراجعة ذاتها، أو تعتقد أن شرعية الماضي تكفي لمواجهة تحديات المستقبل.
ما هي فتح؟ هل هي حركة عقائدية تستوجب الطاعة وامتثال الأمر وإنفاذه على قاعدة “كن بين يدي شيخك كالميت بين يدي الغاسل”، أم حزب سياسي يسعى إلى الوصول إلى السلطة أو المشاركة فيها والتأثير في السياسات العامة من خلال برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي؟ أم هي حزب نخبوي، أو قومي، أو ديني، أو طبقي، أو مؤسسي؟ هل هي حزب شامل (Catch-all Party) يسعى إلى استقطاب مختلف مكونات شعبنا، وفق ما طرحه "أوتو كيرشهايمر" ، أم أنها تقترب من نموذج “حزب الكارتل” (Cartel Party) الذي يعتمد في بقائه وموارده وتمويله على موارد الدولة ومؤسساتها، وفق نظرية "كاتز وماير" ؟
في تقديري، لم تكن فتح يومًا أسيرة أي من هذه النماذج التقليدية. فمنذ انطلاقتها، تشكلت بوصفها ائتلافًا وطنيًا عريضًا، جمع كل المؤمنين بفكرة واحدة بسيطة وعميقة: الثورة حتى التحرير. تحت هذه الفكرة اجتمعت الخلية الأولى لحركة فتح في الكويت، التي ضمت ياسر عرفات، وخليل الوزير، وعادل عبد الكريم، ويوسف عميرة، وعبد الله الدنان، وفي ظلها صاغ المؤسسون البيان الأول للحركة، وهيكل البناء الثوري، واستطاعوا خلال فترة وجيزة استقطاب آلاف الفلسطينيين من مدارس فكرية وسياسية متعددة؛ إسلاميين، وقوميين، ووطنيين، ويساريين، لأن فتح، عندما أوقدت شعلة الكفاح الفلسطيني المعاصر، لم تطلب من الفلسطيني أن يتخلى عن خلفيته الفكرية، بل أن يجعل فلسطين عنوانها الجامع، وأن يجعل التحرير بوصلته الأولى. لقد كانت قوة فتح في قدرتها على صهر هذا التنوع داخل مشروع وطني واحد، لا في إلغائه أو مصادرته، ولذلك استطاعت أن تتحول خلال سنوات قليلة إلى العمود الفقري للحركة الوطنية الفلسطينية، وإلى الإطار الجامع لمعظم الطاقات الفلسطينية. ولم يقتصر تميز الحركة على قدرتها على استيعاب التعدد الفكري، بل امتد إلى بناء ثقافة تنظيمية أتاحت مساحة واسعة للاجتهاد والنقد والاختلاف. فقد وضع المؤسسون قواعد تنظيمية واضحة، كان من أبرزها حق العضو في التعبير عن رأيه، ومناقشة السياسات، وانتقاد الأداء، في إطار الالتزام بالنظام الداخلي ووحدة الحركة. ولعل الشهيد الخالد ياسر عرفات يمثل النموذج الأوضح على ذلك، فعلى الرغم من مكانته التاريخية الاستثنائية، وما يمثله من رمزية في وجدان الفتحاويين والفلسطينيين، فإنه خضع، في أكثر من محطة، لقرارات مؤسسات الحركة، بما في ذلك قرارات تنظيمية تتعلق به شخصيا، وهو ما يعكس إيمانًا مبكرًا بأن المؤسسة ينبغي أن تبقى فوق الجميع، كما تزخر سيرة الشهيد القائد صلاح خلف “أبو إياد” بمحطات عديدة اختلف فيها مع الرئيس ياسرعرفات، لا سيما خلال أزمة الخليج عام 1990، دون أن يتحول هذا الاختلاف إلى تشكيك بالقيادة أو خروج على الحركة أو مساس بوحدتها الداخلية، ويمتد هذا النموذج إلى تجربة الكتيبة الطلابية في أواخر السبعينيات ومطلع الثمانينيات، والتي وجهت انتقادات حادة لقيادة الحركة، وللخلية الأولى، وللأداء العام للقيادة الفلسطينية، وخاضت مع ياسر عرفات نقاشات طويلة اتسم بعضها بالغضب وارتفاع سقف النقد، لكنها بقيت جزءًا أصيلًا من الحركة، وفي الوقت ذاته، كانت هذه الكتيبة نفسها تتولى حماية مقار إقامة ياسر عرفات في بيروت كما يشير معين الطاهر في كتابه " تبغ وزيتون "، ولم تُتهم يومًا بالخروج عن الحركة أو التجنح، كما لم تتنكر هي لقيادته أو لدوره التاريخي في قيادة الثورة الفلسطينية.
إن استحضار هذه التجارب ليس دعوة للعيش في الماضي، ولا محاولة لعقد مقارنة بين الأجيال، وإنما للتأكيد على حقيقة جوهرية، وهي أن فتح كانت، كلما ازدادت قوة، ازدادت ثقة بنفسها، واتسعت مساحتها لاستيعاب الرأي الآخر، وتعزز حضور مؤسساتها، وترسخت قناعتها بأن النقد المسؤول ليس خطرًا على الحركة، بل أحد أهم أدوات حمايتها وتجديدها. ومن هذا المنطلق تحديدًا، يصبح من الضروري قراءة واقع الحركة بعد المؤتمر الثامن، ليس بروح الخصومة أو تسجيل المواقف، وإنما بروح المسؤولية الوطنية والتنظيمية، لأن الأسئلة التي تواجه فتح اليوم لم تعد تخص أبناءها وحدهم، بل أصبحت تمس مستقبل المشروع الوطني الفلسطيني بأسره. لم يعد يخفى على أحد حجم التباينات داخل اللجنة المركزية لحركة فتح بعد المؤتمر الثامن، فتماسك فتح، وقوتها يرتبط بخبز الناس، ومستقبل شبابنا، ومقومات صمودنا وبقاءنا على الأرض، كما لم يعد خافيًا حجم الغضب الذي يعتري عددًا كبيرًا من كوادر الحركة ونشطائها، سواء بسبب غياب معايير شفافة وواضحة لعضوية المؤتمر، أو بسبب المخرجات البرامجية التي لم ترتقِ، في نظر كثيرين، إلى مستوى التحديات التي تواجه حضورنا الوطني والسياسي، بل ووجودنا الفيزيائي على أرضنا، ولم يعد يمر يوم دون أن تتسع حالة الاحتقان، وتتزايد المسافة بين الحركة وجماهيرها، وبين القيادة وأبنائها، ومن هنا، فإن فتح تقف اليوم أمام مجموعة من الأسئلة التي لم يعد من الممكن تأجيل الإجابة عنها، لأن تجاهلها لم يعد يؤثر في مستقبل الحركة وحدها، وإنما في استقرار النظام السياسي الفلسطيني، وفي قدرة شعبنا على مواجهة أخطر مرحلة في تاريخه الحديث.
في مقدمة هذه الأسئلة، يبرز سؤال الرئيس القادم، ليس بوصفه سؤالًا شخصيًا يتعلق بمن يتولى هذا الموقع أو ذاك، وإنما باعتباره سؤالًا يتصل بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني بأكمله؛ بدءا برئاسة السلطة الوطنية الفلسطينية، التي من المقرر عقدها في الربع الأول من العام المقبل، أو على مستوى منظمة التحرير الفلسطينية، أو حركة فتح. ورغم أن المشهد يبدو، للوهلة الأولى، وكأنه يسير ضمن ترتيبات واضحة في ظل الواقع القائم، إلا أن التجارب السياسية تؤكد أن بعض القضايا لا تُحسم بمنطق الأغلبية العددية وحدها، وإنما تحتاج إلى تفاهمات وطنية وتنظيمية عميقة، تحفظ وحدة الحركة، وتصون استقرار النظام السياسي، وتمنع انتقال التنافس من إطار الاختلاف المشروع إلى حالة الاستقطاب والانقسام، ولعل ما ظهر إلى العلن من تصريحات للأخ جبريل الرجوب، وما أُثير حول مقاطعته، والأخ محمود العالول، لاجتماعات اللجنة المركزية الماضية، يعكس أن هذا الملف لا يزال مفتوحًا، وأن الوصول إلى توافقات راسخة ليس بالأمر السهل أو المحسوم.
ويتعزز هذا المشهد مع الحضور الاستثنائي للأخ الأسير مروان البرغوثي، بما يمثله من ثقل وطني وتنظيمي، وما يتمتع به من شعبية واسعة داخل المجتمع الفلسطيني، ولا سيما في ظل استمرار حضوره في النقاش المتعلق بالانتخابات الرئاسية ومستقبل القيادة الفلسطينية، لكن السؤال الحقيقي لا يتعلق بالأسماء، وإنما بطبيعة النظام السياسي الفلسطيني في المرحلة المقبلة، هل سنبقى أمام نموذج يقوم على جمع رئاسة الحركة، ومنظمة التحرير، والسلطة الوطنية الفلسطينية في شخص واحد، كما جرى خلال العقود الماضية؟ أم أننا سنكون أمام صيغة جديدة تعيد توزيع المسؤوليات، وتؤسس لتوازنات مختلفة داخل النظام السياسي الفلسطيني، إن هذا السؤال لا يمكن فصله عن التحولات الإقليمية والفلسطينية المتسارعة، ولا عن المتغيرات التي تشهدها الساحة الفلسطينية، بما في ذلك مستقبل قطاع غزة، ومآلات المصالحة الوطنية، ودور القوى الفلسطينية المختلفة، وفي مقدمتها حركة حماس، وكذلك مستقبل تيار الإصلاح الديمقراطي برئاسة محمد دحلان، بوصفه أحد مكونات المشهد السياسي الفلسطيني. فالتعامل مع هذه الملفات باعتبارها قضايا مؤجلة، أو الاكتفاء بإدارة الوقت، لن يلغيها، وإنما سيؤجل استحقاقاتها، ويجعل كلفتها السياسية والتنظيمية أكبر في المستقبل.
💬 التعليقات (0)