لم يكن مسار الجيش اللبناني منذ تأسيسه في الأول من أغسطس عام 1945 طريقاً مفروشاً بالاستقرار، بل كان مرآة عاكسة للتحولات السياسية والاجتماعية الحادة في البلاد. فالمؤسسة التي ولدت من رحم الوحدات العسكرية التي سلمتها سلطات الانتداب الفرنسي، وجدت نفسها بعد ثلاثة عقود فقط في مهب ريح الحرب الأهلية التي عصفت بوحدتها وتماسكها.
مع اندلاع شرارة الحرب في أبريل 1975، بدأت الانقسامات الطائفية والسياسية تتسلل إلى داخل الثكنات العسكرية، مما أدى إلى تآكل السلطة المركزية للقيادة. ولم يكن هذا التفكك وليد صدفة، بل جاء نتيجة غياب القرار السياسي الموحد وتنامي نفوذ الميليشيات المسلحة التي بدأت تستقطب ولاءات العسكريين بناءً على انتماءاتهم المناطقية والمذهبية.
شهد عام 1976 المنعطف الأخطر في تاريخ المؤسسة، حيث أعلن الملازم أول أحمد الخطيب تمرده وتأسيس ما عُرف بـ 'جيش لبنان العربي'. هذا التشكيل الذي انطلق من ثكنة مرجعيون في الجنوب حظي بدعم مباشر من منظمة التحرير الفلسطينية، مما أدى إلى سقوط متتالٍ للثكنات العسكرية في قبضة المنشقين، وتكريس حالة الانقسام المسلح على الأرض.
في خضم هذا الانهيار، حاول العميد عزيز الأحدب القيام بتحرك وُصف بالانقلاب العسكري في مارس 1976، مطالباً باستقالة رئيس الجمهورية آنذاك سليمان فرنجية. ورغم سيطرته المؤقتة على مبنى الإذاعة والتلفزيون، إلا أن التحرك لم ينجح في لجم التدهور، بل ساهم في ظهور تشكيلات عسكرية متعددة الولاءات مثل 'طلائع جيش لبنان الموحد' و'جيش الشرعية'.
تعددت الجيوش في لبنان خلال تلك الحقبة المظلمة، حيث ظهرت وحدات عسكرية تتبع قوى حزبية وإقليمية مختلفة، مما أفقد الدولة احتكارها للسلاح. وتذكر المصادر أن الساحة اللبنانية شهدت صراعاً بين 'جيش لبنان' المقرب من حزب الوطنيين الأحرار، و'الجيش المعني' التابع للحزب التقدمي الاشتراكي، بالإضافة إلى انشقاق الرائد سعد حداد في الجنوب.
لم تتوقف محطات الانقسام عند السبعينيات، بل تجددت في عام 1984 مع 'انتفاضة 6 شباط' التي قادتها حركة أمل والحزب التقدمي الاشتراكي ضد حكم الرئيس أمين الجميل. هذه الانتفاضة أدت إلى تمرد اللواء السادس وانحيازه للقوى المعارضة في بيروت الغربية، بعد اتهامات للجيش بالانحياز وقصف مناطق مدنية في الضاحية الجنوبية.
التعليقات (0)