لا تكمن أهمية زيارة نتنياهو الأخيرة إلى واشنطن فيما أُعلن عنها من تصريحات، أو فيما تردد حول الملف النووي الإيراني أو مضيق هرمز أو سوريا ولبنان، بل فيما تعكسه من تسارع في إعادة ترتيب أولويات الشرق الأوسط، في لحظة يبدو فيها أن الولايات المتحدة تعمل على رسم معالم مرحلة إقليمية جديدة، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية مع إعادة تشكيل موازين القوى والتحالفات.
ومن هنا، فإن المسألة الأساسية لا تتعلق بمدى اختلاف ترامب ونتنياهو أو اتفاقهما بل، بماهية المشروع الذي تعمل الولايات المتحدة على إنجازه، وما هو الموقع الذي يراد للقضية الفلسطينية أن تحتله داخله.
لا شك أن هناك اختلافاً في ترتيب الأولويات بين واشنطن وتل أبيب، لكنه لا يصل إلى حد الخلاف على الأهداف الاستراتيجية. فإسرائيل، بقيادة نتنياهو، تنظر إلى إيران باعتبارها التهديد المركزي، وتسعى إلى إبقاء المنطقة في حالة مواجهة دائمة تضمن استمرار تفوقها العسكري والسياسي. أما الولايات المتحدة، فتتعامل مع المشهد من زاوية أوسع، فهي معنية بأمن الممرات البحرية، واستقرار أسواق الطاقة واستكمال ترتيبات التطبيع وخاصة مع السعودية واحتواء إيران، والتفرغ لمنافسة الصين وروسيا، أكثر من انخراطها في حرب إقليمية مفتوحة لا تخدم مصالحها المباشرة خاصة في أجواء المتغيرات بالرأي العام الأمريكي وبعض الأوساط السياسية من الحزبين وصعود تيار تقدمي معاد للحرب ولسياسات اسرأىيل.
وهذا يعني أن التباين بين الطرفين يتعلق بالادارة والتوقيت والأدوات، لا بجوهر المشروع. فالتحالف الأمريكي الإسرائيلي ما زال ثابتاً، لكن واشنطن تريد إدارة هذا التحالف بما ينسجم مع مصالحها العالمية والإستراتيجية، بينما يحاول نتنياهو توظيفه أيضاً لخدمة بقائه السياسي مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.
غير أن القراءة الفلسطينية يجب ألا تتوقف عند هذا الحد، فالقضية الفلسطينية ليست خارج هذه الترتيبات، بل تقع في قلبها. فما يجري في قطاع غزة تحت عنوان "اليوم التالي" والذي حذرنا منه مرارا في مقالات سابقة، وما يتواصل في الضفة الغربية من ضم تدريجي، وتوسع استيطاني وإرهاب للمستوطنين وإغلاق للمدن والقرى، ليس مجرد سياسة أمنية إسرائيلية، وازمات تنعكس على واقع معيشة ابناء شعبنا، وإنما جزء من مشروع أشمل يستهدف فرض إعادة تعريف المشروع الوطني الفلسطيني نفسه، وتحويله من مشروع تحرر وطني إلى إدارة دائمة للسكان تحت الأحتلال بأشكال قد تكون مستحدثة.
ومن هنا، لا يمكن فصل النقاش حول غزة عن مستقبل الضفة، ولا عن محاولات دمج إسرائيل في الإقليم عبر مسارات التطبيع، ولا عن مشاريع الممرات الاقتصادية والطاقة، ولا عن الترتيبات الأمنية الجديدة في سوريا ولبنان. فجميعها حلقات في رؤية واحدة لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بما يحقق الاستقرار الذي تريده الولايات المتحدة، مع الحفاظ على التفوق الإسرائيلي، وإعادة ترتيب أدوار القوى الإقليمية.
💬 التعليقات (0)