لا تنتهي آثار الطفولة بانتهاء سنواتها، إذ يحمل كثيرون إلى مرحلة البلوغ أنماط التفكير والمشاعر وطريقة مخاطبة الذات التي تشكلت في علاقتهم بوالديهم أو بمقدمي الرعاية. وقد تتحول هذه الأنماط، إذا كانت قائمة على النقد أو الإهمال أو القسوة، إلى عائق أمام الشعور بالسعادة أو بناء علاقات صحية. ومن هنا برز مفهوم "إعادة تربية الذات" أو "إعادة بناء الوالد الداخلي"، كمحاولة لتعويض ما افتقده الإنسان في طفولته وبناء علاقة أكثر صحة مع نفسه.
عند هذه المرحلة، يتوقف الإنسان عن التساؤل: "ماذا فعل بي الماضي؟"، ويبدأ في طرح سؤال مختلف: "ماذا أستطيع أن أفعل بنفسي الآن؟". فبدلا من البقاء أسير "جرح الأم" أو "جرح الأب"، يسعى إلى أن يكون الأب والأم لنفسه بطريقة سوية ومتوازنة، وأن يمنح ذاته، كشخص بالغ، ما افتقده في طفولته، وهي العملية التي يطلق عليها "إعادة تربية الذات".
يشير مصطلح "إعادة تربية الذات" في العلاج النفسي إلى عملية تمكّن الفرد من معالجة الاحتياجات النفسية والجسدية التي لم تُلبَّ في طفولته، بما يساعده على بناء أنماط عاطفية وسلوكية أكثر صحة.
وتقوم هذه العملية على استعادة أسس تربوية افتقدها في سنواته الأولى، مثل الشعور بالأمان، وتهدئة النفس عند القلق، والتعاطف مع الذات، والتشجيع، والاعتراف بالاحتياجات، وتقبل المشاعر، ووضع حدود صحية والقدرة على قول "لا"، وتحمل المسؤولية، والانضباط الذاتي، وتنظيم المشاعر.
ففي الوقت الذي يعجز فيه الكثير من الآباء والامهات عن منح أطفالهم معاملة تساهم في تحسين صحتهم ورفاهيتهم، يصبح هؤلاء الأطفال حين يكبرون بحاجة ماسة إلى منح أنفسهم ما افتقدوه لسنوات طويلة في طفولتهم.
تعود جذور مفهوم "إعادة تربية الذات" إلى أوائل سبعينيات القرن الماضي، حين طرحت الدكتورة موريل جيمس أفكارا حول "إعادة التربية" (Reparenting) في إطار العلاج بالتحليل التفاعلي. ومن واقع عملها، اكتشفت أن مرضاها يتبنون، بشكل غير واع، أنماطا في التفكير والمعتقدات والسلوكيات تعكس ما كان يفكر به والدوهم والطريقة التي كانوا يتصرفون بها، وأنه من تلك النقطة ينشأ الحديث السلبي مع الذات. فيكرر المرء النقد السلبي الذي تلقاه من والديه، ويخاطب نفسه في المواقف المختلفة بعبارات مثل: "لم يكن من المفترض أن ترتكب ذلك الخطأ"، و"لا أصدق أنك كنت غبيا إلى هذا الحد"، و"أنت غبي"، وغيرها من أساليب مخاطبة النفس المؤذية.
التعليقات (0)