لم يكن قرار الحكومة الإسرائيلية تنفيذ عملية عسكرية واسعة في الضفة الغربية حدثًا يمكن قراءته بمعزل عن السياق السياسي والأمني الذي تعيشه إسرائيل، ولا عن طبيعة الحكومة اليمينية التي تقودها، ولا عن المرحلة التي تسبق الانتخابات المقبلة وما تفرضه من حسابات داخلية. فالقرارات الكبرى، وخاصة تلك التي تعيد رسم المشهد الأمني، لا تنفصل عادة عن البيئة السياسية التي تُتخذ فيها، ولا عن أهداف قد تتجاوز المعالجة المباشرة للواقع الميداني.
صحيح أن الحكومة الإسرائيلية تبرر عملياتها العسكرية بالحاجة إلى مواجهة التهديدات الأمنية ومنع تصاعد العمليات المسلحة، إلا أن قراءة المشهد بصورة أشمل تكشف أن الضفة الغربية أصبحت اليوم ساحة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الحسابات السياسية والأيديولوجية والاستراتيجية. فاليمين الإسرائيلي الحاكم لا يخفي رؤيته تجاه الضفة الغربية، كما أن عددًا من وزرائه يعلنون بصورة متكررة مواقف تؤيد توسيع الاستيطان، وتعزيز السيطرة الإسرائيلية، وإحداث تغييرات دائمة في الواقع القائم وصولًا إلى طرح فكرة الضم الكامل.
ويعزز هذا الاتجاه ما جرى داخل الكنيست الإسرائيلي، حيث صوّت بأغلبية 71 عضوًا مقابل 13 عضوًا معارضًا على مقترح رمزي غير ملزم يدعو الحكومة إلى فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وغور الأردن، باعتبارها جزءًا من الوطن التاريخي للشعب اليهودي. ورغم أن هذا التصويت لا يشكل قرارًا قانونيًا نافذًا بضم الضفة الغربية، فإنه يحمل دلالة سياسية مهمة، لأنه يعكس انتقال فكرة الضم من خطاب بعض التيارات السياسية إلى مساحة أوسع داخل المؤسسة التشريعية الإسرائيلية. وبذلك لم يعد النقاش مقتصرًا على إدارة واقع قائم، بل أصبح مرتبطًا بتصورات مختلفة حول مستقبل الضفة الغربية وطبيعة العلاقة معها.
ومن هنا، يصبح من المنطقي والضروري التساؤل عما إذا كانت العملية العسكرية تمثل استجابة أمنية فحسب، أم أنها تتقاطع أيضًا مع أهداف سياسية أوسع، خاصة في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، حيث يزداد التنافس داخل معسكر اليمين على من يبدو أكثر قدرة على فرض رؤيته على الأرض، وأكثر التزامًا بالمشروع الأيديولوجي الذي تتبناه مكونات هذا اليمين.
وبالتوازي مع العمليات العسكرية، برز تصاعد ملحوظ في هجمات المستوطنين على القرى والبلدات الفلسطينية. وهذا التصاعد لا يمكن عزله عن البيئة السياسية التي نشأت في ظل حكومة يشارك فيها وزراء يتبنون خطابًا أكثر تشددًا تجاه الضفة الغربية. فإيتمار بن غفير، على سبيل المثال، دافع مرارًا عن توسيع صلاحيات استخدام القوة وتشديد الإجراءات الأمنية، بينما شهدت الضفة خلال المرحلة الأخيرة ارتفاعًا في وتيرة اعتداءات المستوطنين واتساع نطاقها، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل حول العلاقة بين المناخ السياسي السائد وبين السلوك المتكرر على الأرض.
ولا يعني ذلك بالضرورة وجود توجيه مباشر لكل اعتداء، لكنه يفتح بابًا لتحليل أوسع يرى أن الخطاب السياسي، عندما يمنح الأولوية لمفاهيم القوة والحسم وفرض السيطرة، قد يسهم في خلق بيئة يشعر فيها بعض الفاعلين بأن مساحة الحركة أصبحت أوسع، وأن تكلفة الممارسات الميدانية أقل مما كانت عليه في مراحل سابقة.
💬 التعليقات (0)