"فيا ويل القناة إذا احتواها .. بنو التاميز وانحسر اللثام .... لقد بقيت من الدنيا حطاما .. بأيدينا وقد عز الحطام"
بواسطة (الشاعر المصري حافظ إبراهيم معارضا مد امتياز قناة السويس في قصيدة نشرت عام 1910)
في الذاكرة الجمعية، يكاد قرار تأميم قناة السويس يُختزل في لحظة واحدة: خطاب الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية يوم 26 يوليو/تموز 1956، وكلمة السر "ديليسبس"، التي ذكرها عبد الناصر في خطابه، ففتحت الطريق أمام الفرق المصرية للسيطرة على مرافق شركة قناة السويس.
غير أن هذه الصورة لم تكُن سوى ذروة مسيرة طويلة بدأت قبل ذلك بقرابة نصف قرن، فلم يكن التأميم، على عكس ما يُصور أحيانا، قرارا ارتجاليا وُلِد نتيجة غضب سياسي عقب سحب تمويل السد العالي، بل مطلبا شعبيا تبلور لدى أجيال متعاقبة من المصريين. وقد تراكمت الأصوات المُدافِعة عن هذا المطلب في عرائض ولجان ودراسات ومرافعات قانونية ومقاومة ميدانية، إلى أن صار جاهزا للتنفيذ يوم اقتنص عبد الناصر اللحظة الدولية المناسبة.
لقد أخذت تتشكل صلة وثيقة بين استرداد قناة السويس والوطنية المصرية منذ معركة رفض مد امتياز شركة القناة، التي جرت عام 1910، وهي معركة لم تتمحور حول إسقاط مشروع مالي فحسب، بل كانت لحظة تأسيسية انتقلت خلالها القناة من كونها "مرفقا دوليا" إلى كونها "جرحا سياديا" مصريا.
ومنذ ذلك الحين، بدأت محاولات تأصيل الهوية المصرية للقناة، وتراكمت أشكال المقاومة القانونية والسياسية، قبل أن تدفع العقود اللاحقة القضية من مستوى الرفض الاقتصادي إلى مستوى المواجهة المباشرة مع قاعدة الاحتلال نفسها، لاسيما في مدن القناة، حيث تبلورت مقاومة اقتصادية ومسلحة حوَّلت المنطقة إلى مصنع للوطنية وصلت إلى ذروتها عام 1951. ثم جاء دور القانونيين كي يُحولوا الذاكرة الشعبية إلى ملف قانوني جاهز، بالتوازي مع سعي الدولة المصرية إلى بناء جهاز إداري قادر على تنفيذ القرار والدفاع عنه في الداخل والخارج. وبهذا المعنى، كان خطاب المنشية تتويجا لمسيرة طويلة بدأت قبله بنحو نصف قرن، لا قرارا مفاجئا خطر للرئيس المصري بين يوم وليلة.
💬 التعليقات (0)