ليس أصعب على الإنسان من أن يشعر بأن سنوات عمره الطويلة في خدمة مؤسسته ووطنه يمكن أن تتحول في لحظة إلى عبءٍ يُراد التخلص منه. فالوظيفة ليست مجرد راتبٍ آخر الشهر، وإنما هي استقرار أسرة، وتعليم أبناء، وعلاج مرضى، وكرامة إنسان، ومستقبلٌ بُني على وعودٍ بأن من يخدم وطنه لن يُترك وحيدًا عندما تشتد الأزمات.
ومنذ سنوات طويلة، يعيش آلاف الموظفين الفلسطينيين، ولا سيما في قطاع غزة، حالةً من القلق الدائم على مستقبلهم الوظيفي والمعيشي. وبين كل أزمة سياسية، وكل خلاف داخلي، وكل تعثر مالي، يجد الموظف نفسه أول من يدفع الثمن، وكأن الحلول لا تبدأ إلا من جيبه، ولا تنتهي إلا عند راتبه.
ويبقى السؤال الذي يطرحه كثيرون: لماذا لم تُستثمر سنوات الاستقرار النسبي والإيرادات الأفضل في بناء شبكة أمان حقيقية لهؤلاء الموظفين؟ ولماذا لم تكن هناك رؤية تضمن لهم الحد الأدنى من الاستقرار عندما كانت الظروف الاقتصادية أقل قسوة؟ فالسياسات الرشيدة لا تُقاس بكيفية إدارة الأزمات فقط، وإنما بمدى الاستعداد لها قبل وقوعها، وبقدرة المؤسسات على حماية الإنسان الذي حملها على كتفيه سنوات طويلة.
لقد مرت فترات كانت فيها الإيرادات أفضل، وكانت الحركة الاقتصادية أكثر نشاطًا، وكانت الموارد المتاحة أكبر مما هي عليه اليوم. وكان من الممكن أن تُخصص برامج أكثر عدالة، أو صناديق حماية، أو حلول مستدامة تحفظ للموظف شيئًا من الأمان إذا تبدلت الظروف. أما أن يصل الموظف بعد عشرين عامًا من الخدمة إلى حالة يشعر فيها أن مستقبله كله معلق بقرار سياسي أو مالي مفاجئ، فذلك يطرح تساؤلات مشروعة تحتاج إلى إجابات ومسؤولية.
ولا يقتصر الأمر على موظفي قطاع غزة، بل يمتد إلى آلاف الموظفين الذين أُحيلوا إلى التقاعد المبكر أو القسري وهم في أوج عطائهم وقدرتهم على الإنتاج. كثير منهم لم يبلغوا السن الطبيعية للتقاعد، وكان بإمكانهم أن يواصلوا خدمة مؤسساتهم سنوات أخرى، لكنهم وجدوا أنفسهم خارج دائرة العمل، يواجهون أعباء الحياة بموارد أقل، في وقت تتزايد فيه متطلبات الأسرة واحتياجات الأبناء.
والمؤلم أكثر أن الموظف غالبًا لم يكن طرفًا في الخلافات السياسية التي أدت إلى هذه الأوضاع، ومع ذلك كان الأكثر تأثرًا بها. فهو لم يصنع الانقسام، ولم يتخذ القرارات الكبرى، ولم يكن صاحب النفوذ، لكنه بقي الحلقة الأضعف التي تُحمّل تبعات كل أزمة. وفي كل مرة تتعثر فيها الملفات السياسية أو المالية، يعود الحديث مجددًا عن الرواتب والخصومات والتقاعد، بينما يبقى الموظف وأسرتُه في دائرة الانتظار والقلق.
💬 التعليقات (0)