تشهد الضفة المحتلة تحولاً في طبيعة الدور الذي يؤديه المستوطنون المسلحون، من مجموعات عنف استيطاني إلى قوة رديفة لجيش الاحتلال الإسرائيلي، تعمل ضمن منظومة السيطرة الميدانية وفرض الوقائع على الأرض. وتكشف الاعتداءات الأخيرة في منطقة تل، وما أعقبها من وفاة جنين سيدة فلسطينية بعد إعاقة مرورها من قبل جيش الاحتلال، عن تداخل متزايد بين أدوات العنف الاستيطاني والوظيفة العسكرية للاحتلال، المسار الذي تؤكده أرقام النصف الأول من عام 2026 والذي يعكس تحول الاستيطان المسلح إلى أداة عملية لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، وقتل وتهجير أصحابها.
أرقام النصف الأول من 2026... الضفة تحت هجوم استيطاني مفتوح
لم يتوقف عدوان "جيش المستوطنين" يوماً على الفلسطينيين في الضفة منذ بداية الاحتلال، بل كانت عصابات الاستيطان عماد القتل والإجرام والتهجير حتى قبل أن يصبح هناك لها "دولة" و"جيش" أصلاً. فيما تكشف البيانات الصادرة عن هيئة مقاومة الجدار والاستيطان في 6 يوليو/تموز 2026 أن النصف الأول من العام الجاري شهد تصعيداً غير مسبوق في اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه، مع تسجيل 11074 اعتداءً استهدفت الفلسطينيين وممتلكاتهم، تراوحت بين مصادرة الأراضي، والتوسع الاستيطاني، والتهجير القسري، والإعدامات الميدانية، وتجريف الأراضي، واقتلاع الأشجار، وإقامة الحواجز التي مزقت الجغرافيا الفلسطينية. وتركزت الاعتداءات في الخليل (2224 اعتداء)، تلتها رام الله والبيرة (2175)، ثم نابلس (2095) وبيت لحم (1137). كما وثقت الهيئة استشهاد 17 فلسطينياً على يد المستوطنين خلال ستة أشهر فقط، بينهم 9 شهداء في رام الله والبيرة و3 في نابلس و2 في كل من القدس والخليل، وشهيد في سلفيت، إلى جانب تهجير 26 تجمعاً بدوياً، منها 18 تجمعاً أُخليت بالكامل و8 تجمعات جزئياً. وفي السياق نفسه، أقام المستوطنون 42 بؤرة استيطانية جديدة، معظمها بؤر رعوية، بينها 4 بؤر في المناطق المصنفة (ب) وفق اتفاق أوسلو، فيما تعرضت 45195 شجرة للقطع أو التدمير، بينها 26395 شجرة زيتون، في استهداف وصفته الهيئة بأنه جزء من سياسة ممنهجة لتفريغ الأرض الفلسطينية. وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، في تقريره الصادر 28 يوليو/تموز 2026، هذا المنحى، موثقاً أكثر من 1330 اعتداءً نفذه مستوطنون منذ مطلع العام الجاري مقابل 1680 اعتداء للمستوطنين خلال عام 2025 كاملاً، وأسفرت الاعتداءات عن سقوط شهداء وإحراق منازل ومساجد ومنشآت زراعية، وتهجير 10 عائلات فلسطينية خلال أيام، فيما ارتفع عدد الفلسطينيين الذين قتلوا على يد قوات الاحتلال أو المستوطنين منذ بداية العام إلى 77 فلسطينياً، بينهم 18 طفلاً.
في حين بلغ عنف المستوطنين خلال العامين 2023-2025 مستويات غير مسبوقة، إذ استشهد 35 فلسطينياً على أيدي المستوطنين، فيما سُجل 7154 اعتداءً ارتكبها المستوطنون مباشرة، و9336 اعتداءً استهدفت الممتلكات والأماكن الدينية، أي بمعدل حادثتين يوميا، وشهد عام 2025 زيادة بالاعتداءات تتراوح بين 20% و25% مقارنة بالعام 2024.
لم يتوزع عنف المستوطنين على مساحات الضفة بصورة عشوائية، بل اتخذ نمطاً جغرافياً واضحاً يعكس أولويات المشروع الاستيطاني. فقد تركزت الاعتداءات خلال عام 2025 الماضي في المحافظات التي تشهد كثافة استيطانية مرتفعة أو تضم أراضي زراعية ومناطق استراتيجية مستهدفة بالضم، وفي مقدمتها رام الله والبيرة (643 اعتداءً)، تلتها طوباس والأغوار الشمالية (532 اعتداءً)، ثم نابلس (501 اعتداء)، وسلفيت (473 اعتداءً)، والخليل (462 اعتداءً)، وأريحا (434 اعتداءً)، فيما سجلت بيت لحم (180 اعتداءً) وقلقيلية (137) وطولكرم (120) وجنين (50 اعتداءً). ويكشف هذا التوزيع أن مركز الثقل الاستيطاني يتركز في قلب الضفة الغربية والأغوار، حيث تتداخل البؤر الاستيطانية مع القرى الفلسطينية والأراضي الزراعية، بما يحول الاعتداءات إلى أداة لإعادة هندسة الجغرافيا لا مجرد أعمال عنف متفرقة.
وفي الجنوب، ولا سيما الخليل وبيت لحم، اتخذت الاعتداءات طابعاً شديد العنف، شمل إطلاق النار على المدنيين، وإحراق المنازل والمزروعات، وتخريب الممتلكات، خصوصاً في مسافر يطا والتواني وجنبا وبيت أمر وترقوميا وتقوع والخضر ونحالين، انطلاقاً من مستوطنات وبؤر مثل كريات أربع وسوسيا وكرمئيل وإفرات وتكواع. أما في نابلس، حيث سجلت 501 اعتداء، فقد تكررت الهجمات بصورة أسبوعية على قرى بورين وحوارة وبيتا وقصرة ومادما انطلاقاً من مستوطنات يتسهار وإيتمار وشيلو وبراخا، في نمط جمع بين الاعتداءات المسلحة وتخريب الممتلكات وسرقة المحاصيل بهدف توسيع السيطرة على الأراضي الزراعية.
💬 التعليقات (0)