يرى الباحث مازن عبد المعطي الجعبري، في ورقته العلمية الصادرة عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات، أن ما يجري في المسجد الأقصى لا يمكن فهمه باعتباره سلسلة من الإجراءات الأمنية المنفصلة التي تفرضها إسرائيل في أوقات التوتر، وإنما باعتباره مسارًا متراكمًا لإعادة تشكيل "الوضع القائم" في المسجد، تستخدم فيه الحرب والطوارئ لتسريع تحولات بدأت قبل الحرب، وتتقدم على مستويات أمنية ودينية وسياسية وتشريعية ومؤسسية متوازية.
ومن هنا لا تنطلق الدراسة من سؤال الانتهاك المنفرد، وإنما من سؤال أوسع يتعلق بمن يملك، عمليًا، سلطة إدارة الأقصى وتحديد وظيفته وحدود الحضور الديني داخله.
وتعد الحرب على إيران لحظة كاشفة لهذا المسار، إذ صاحب إعلان حالة الطوارئ إغلاق المسجد الأقصى وإخلاؤه من المصلين وفرض قيود واسعة في محيطه والبلدة القديمة.
وترى الدراسة أن أهمية ما حدث تتجاوز الإغلاق نفسه؛ فقد أظهر أن إسرائيل تتعامل مع المسجد، عندما تبلغ الأزمات الأمنية ذروتها، باعتباره جزءًا من منظومة الأمن والسيادة التي تستطيع السلطات الإسرائيلية إخضاعها لقرارها، وليس مكانًا دينيًا تحكمه ترتيبات تاريخية وقانونية تحول دون تعليق وظيفته الدينية الإسلامية.
ولهذا لا تعتبر الدراسة الحرب منشئة لهذا التحول، وإنما فرصة لتسريعه وكشف مداه. فالسياسات التي سبقتها كانت قد نقلت تدريجيًا جوانب من التعامل مع الأقصى من المجال الوقفي والديني إلى المجال الأمني والشرطي، من خلال الإبعادات، والقيود المفروضة على المصلين، والتحكم في الأبواب، والتدخل في حركة الحراس وموظفي الأوقاف والدروس والأنشطة الدينية، وتنظيم الاقتحامات. وجاءت حالة الحرب لتظهر أين استقر مركز القرار الفعلي عندما أصبح السؤال: من يستطيع إغلاق المسجد وفتحه، ومن يحدد من يدخله ومن يمنع منه؟
ومن هنا تصوغ الدراسة فكرتها المركزية: إسرائيل ليست في حاجة إلى إعلان إلغاء الوضع القائم، بما يحمله ذلك من كلفة سياسية ودينية، وإنما تستطيع الإبقاء عليه في الخطاب الرسمي والدبلوماسي، بينما تنقل وظائفه الفعلية تدريجيًا إلى مؤسساتها. وبهذه الطريقة يمكن أن يبقى الاسم بينما يتغير المضمون، وتصبح إعادة تشكيل الأقصى نتيجة تراكم قرارات وإجراءات تبدو منفردة عند النظر إلى كل منها على حدة، لكنها تكشف اتجاهًا مختلفًا عند جمعها في مسار واحد.
💬 التعليقات (0)