الأربعاء 29 يوليو 2026 9:36 صباحًا - بتوقيت القدس
1. السياق السياسي والتوقيت الحرج ( رحلة التكتم الأمني ): انطلقت من قاعدة "نيفاتيم" الجوية العسكرية في صحراء النقب، بدلاً من مطار بن غوريون الدولي، طائرة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرسمية "جناح صهيون" متجهة صوب العاصمة الأمريكية واشنطن.يأتي هذا التكتم الملاحي والإجراء الأمني غير المسبوق ليعكس حساسية الظرف الإقليمي، والتهديدات الأمنية المباشرة من طهران، عقب الجولة الأخيرة من الصراع العسكري المباشر بين واشنطن وطهران.تتذرع الزيارة برغبة نتنياهو في المشاركة في مراسم تشييع جنازة حليفه التاريخي الراحل السيناتور الجمهوري " ليندسي غراهام"، إلا أن المحرك الأساسي والفعلي للرحلة هو اللقاء الثنائي المغلق في البيت الأبيض مع الرئيس دونالد ترمب ؛ اللقاء الذي يُعد الثامن بين الرجلين منذ عودة ترمب لولاية ثانية، ويأتي كأهم محطة دبلوماسية لرسم ملامح الأمن الإقليمي، وتحديد بوصلة التنسيق العسكري في الشرق الأوسط.2. إرث من الصدامات والتحالفات ( خلفية اللقاءات السابقة ): لفهم السلوك السياسي في هذا اللقاء، لا يمكن فصل الحاضر عن ديناميكية العلاقات المتأرجحة تاريخياً بين ترمب ونتنياهو، فبعد سنوات "العصر الذهبي" في ولاية ترمب الأولى، شهدت العلاقة سلسلة من الهزات والتحولات الصادمة._ يناير وفبراير 2025 : شهدت بداية ولاية ترمب الثانية لقاءات مبكرة سادها التوافق لترتيب ملف غزة وإعادة إحياء اتفاقيات إبراهام ومشاريع التطبيع._ يونيو 2026 : تفجرت أزمة ثقة حادة أدت إلى قطيعة وجفاء دبلوماسي؛ تجسدت في تسريب مكالمة هاتفية حادة وصف فيها ترمب نتنياهو بأنه "رجل صعب ومجنون تماماً"، بسبب تباين الرؤى حول توسيع رقعة الحروب الإقليمية._ يوليو 2026 : جاء تصريح ترمب الصادم لشبكة (CNN) بأن نتنياهو "يعرف جيداً من هو صاحب القرار"، ليضع النقاط على الحروف ويؤكد علناً رغبة واشنطن في إخضاع القرار الإسرائيلي للمظلة والاستراتيجية الأمريكية الشاملة.3. محاور المقال :-أولاً : أوراق الضغط الإسرائيلية ومحاولة "فرض" لغة النار : يسعى نتنياهو خلال هذه المحادثات لتجاوز صيغة التنسيق التقليدي إلى فرض خياراته الأمنية كأمر واقع، مستنداً إلى أوراق قوة أساسية.*(سلاح الاستخبارات النووية)؛ يحمل نتنياهو في حقيبته الدبلوماسية تقارير موسادية حساسة تزعم استغلال طهران لأجواء التصعيد لتسريع وتيرة تخصيب اليورانيوم عبر قيادة دينية جديدة ( آية الله مجتبى خامنئي )؛ ويدفع نتنياهو بأن الخيار الوحيد المستدام هو حملة عسكرية كبرى تهدف إلى "إسقاط النظام" مباشرة.*( المناورة الميدانية لخلط الأوراق )؛ يعتمد نتنياهو سياسة حافة الهاوية ميدانياً ؛ فرغم إعلانه بدء تطبيق "اتفاق الإطار" في لبنان بإعادة انتشار تكتيكي لبعض القوات، إلا أنه أبلغ وزراء حكومته قبيل الإقلاع بالرفض القاطع لأي انسحابات كاملة وشاملة من جنوب لبنان أو قطاع غزة أو سوريا دون تفكيك عسكري مطلق لقدرات الفصائل المسلحة وحزب الله.*(الحسابات الانتخابية )؛ يطمح نتنياهو لانتزاع التزامات تسليحية ودعم سياسي مطلق لتوظيفه في معركته الانتخابية الداخلية المقررة في أكتوبر القادم، حيث يعاني تراجعاً في استطلاعات الرأي وانقساماً داخلياً حاداً.ثانياً: الفيتو الأمريكي والبراغماتية التي تحكم ترمب : في المقابل، يتحرك الرئيس دونالد ترمب وفق حسابات اقتصادية وسياسية براغماتية صارمة لا تسمح لنتنياهو بالتحكم في مسار القرار الأمريكي.*(دبلوماسية حافة الهاوية) المبرمجة: يرفض ترمب الانجرار وراء رغبة تل أبيب في حرب برية مفتوحة لا سقف زمني لها في العمق الإيراني، فبينما يلوّح ترمب عبر شبكة فوكس نيوز بتدمير البنى التحتية الإيرانية (مثل منشآت التخصيب في نطنز عبر مشروع "جبل الفأس" )، يرى أن هذه الضربات هي مجرد أداة ضغط لإجبار طهران على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أمريكية، وليس لإسقاط النظام والدخول في فوضى إقليمية.*( أمن الممرات والاقتصاد ): الهاجس الأكبر لترمب هو حماية الاقتصاد الأمريكي وأسواق الطاقة العالمية من خطر الإغلاق المستمر لمضيق هرمز، خصوصاً مع اقتراب استحقاق الانتخابات النصفية للكونغرس، وهو ما يدفعه لفرملة أي تصعيد إسرائيلي متهور.*(تسوية الساحات المحيطة): تضغط واشنطن بقوة لتمكين "المشروع التجريبي" في جنوب لبنان الذي يمنح الجيش اللبناني السيطرة الأمنية، بالتوازي مع تنفيذ خطة ترمب المعتمدة في مجلس الأمن للانسحاب المرحلي من غزة بالتزامن مع نشر قوات استقرار دولية ؛ وهو ما يتقاطع بشكل حاد مع شروط نتنياهو الأمنية.ثالثاً: الصدام الصامت حول صفقات الإقليم (تركيا والسعودية): تتوسع دائرة الخلاف لتشمل ملفات إقليمية موازية يراها نتنياهو مهددة للتفوق العسكري الإسرائيلي :*(ملف التسليح التركي) : تنظر إسرائيل بقلق بالغ لخطوات إدارة ترمب الأخيرة بالموافقة على بيع مقاتلات الشبح المتطورة F-35 إلى أنقرة، وسيحاول نتنياهو وضع فيتو إسرائيلي على هذه الصفقة بحجة الحفاظ على التوازن العسكري الإقليمي.*(الملف النووي المدني السعودي) : وافقت واشنطن مؤخراً على منح الرياض اتفاقاً لتطوير برنامج نووي مدني.ورغم محاولات ترمب طمأنة الجانب الإسرائيلي عبر تدويناته بربط هذا المشروع بمسار التطبيع المستقبلي وإبرام "اتفاقيات إبراهام" مع السعودية، فإن تل أبيب تخشى غياب آليات الرقابة الصارمة وتعتبر الخطوة تنازلاً أمريكياً خطيراً يمهد لسباق تسلح إقليمي.4. الخلاصة والاستشراف : لمن الغلبة في صراع المصالح؟تُظهر القراءة المتعمقة لمعطيات الزيارة أن بنيامين نتنياهو، رغم كل ما يمتلكه من قدرة على المناورة والمقايضة، لن ينجح في فرض إملاءاته وخياراته الاستراتيجية على البيت الأبيض.إن موازين القوى تميل بوضوح لدفة الرئيس الأمريكي ؛ فترمب يمتلك اليد العليا اقتصادياً وعسكرياً، لاسيما وأن تل أبيب تعتمد كلياً على الجسر الجوي للتسليح والدعم الدبلوماسي الأمريكي.سينتهي هذا اللقاء، على الأرجح، بـ "صيغة احتواء أمريكية" ؛ يفرض من خلالها ترمب الخطوط العريضة لخطته التفاوضية والانسحابية المنضبطة في لبنان وغزة، مع منح نتنياهو غطاءً سياسياً عريضاً وضربات تكتيكية منسقة ضد أهداف إيرانية حيوية، ليعود بها إلى جمهوره الداخلي ك كصورة نصر، تعزز موقفه السياسي الهش قبل انتخابات أكتوبر الحاسمة.
زيارة واشنطن : هل ينجح نتنياهو في فرض خياراته على البيت الأبيض؟!
بن معمر الحاج عيسى – الجزائر
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)