ليست المشاريع السياسية الكبرى مجرد خرائط أمنية أو ترتيبات إدارية بل هي تعبير عن رؤية أيديولوجية لطبيعة الإنسان وحدود حريته ولشكل العلاقة بين السلطة والسكان ومن هنا فإن أي مشروع يقترح إعادة تنظيم المجال السكاني في قطاع غزة من خلال مناطق مغلقة أو تجمعات خاضعة لإجراءات أمنية استثنائية لا يمكن قراءته بوصفه إجراءً تقنياً معزولاً عن سياقه بل باعتباره جزءاً من فلسفة سياسية تتجاوز إدارة الأزمة إلى إعادة تشكيل المجتمع نفسه وفق معادلات القوة والسيطرة وإعادة إنتاج الفضاء الفلسطيني بصورة تجعل الأمن مقدماً على السياسة والإدارة الأمنية بديلاً عن الحقوق الوطنية.
لقد عرف التاريخ الاستعماري أشكالاً متعددة من هندسة السكان حيث لم يكن الهدف احتلال الأرض وحدها وإنما إعادة ترتيب الإنسان داخلها بما يحقق أعلى درجات السيطرة وأقل مستويات المقاومة فمن الجزائر إلى جنوب أفريقيا ومن التجارب الاستعمارية البريطانية إلى نماذج الفصل العنصري لم تكن سياسات العزل الجغرافي سوى أداة لإعادة تعريف العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر وتحويل المجتمع الخاضع إلى وحدات منفصلة يسهل التحكم بها بعيداً عن قدرتها على إنتاج فضاء سياسي موحد.
ضمن هذا السياق يثير أي حديث عن إنشاء تجمعات سكانية مغلقة أو مناطق تخضع لإدارة أمنية استثنائية في غزة نقاشاً يتجاوز الواقع الفلسطيني ليصل إلى الذاكرة الأوروبية ذاتها لأن أوروبا التي عرفت في القرن العشرين أسوأ تجارب العزل القسري تدرك أن السيطرة على السكان تبدأ غالباً بإعادة تنظيم المجال الذي يعيشون فيه قبل أن تتحول لاحقاً إلى منظومات أكثر تعقيداً من الضبط والإقصاء.
غير أن الدقة التاريخية تقتضي التمييز بين مفاهيم كثيراً ما يجري الخلط بينها في الخطاب السياسي فالجيتو تاريخياً كان حياً مغلقاً داخل المدن فُرض على اليهود وغيرهم في مراحل مختلفة ثم استخدمه النظام النازي بوصفه مرحلة لعزل السكان وتجميعهم قبل ترحيل كثير منهم أما معسكر الاعتقال فهو مركز احتجاز يخضع لإدارة أمنية ويستخدم للاعتقال والعمل القسري واحتجاز فئات متعددة من المدنيين والسجناء السياسيين وغيرهم بينما كانت معسكرات الإبادة منشآت أُنشئت خصيصاً للقتل الجماعي الممنهج وهي تمثل فئة مختلفة تاريخياً وقانونياً عن الجيتوهات ومعسكرات الاعتقال.
ولهذا فإن استدعاء هذه المفاهيم في النقاش السياسي المعاصر ينبغي أن يتم بوصفه مقارنة بآليات العزل والسيطرة لا باعتباره مساواة تاريخية أو قانونية بين وقائع مختلفة لأن لكل تجربة سياقها وخصائصها التاريخية.
في المقابل فإن القانون الدولي الإنساني وضع منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قيوداً صارمة على ممارسات النقل القسري للسكان المدنيين فقد نصت اتفاقية جنيف الرابعة على حظر النقل أو الترحيل القسري للأشخاص المحميين إلا في حالات استثنائية محددة ومؤقتة تفرضها سلامة المدنيين أو ضرورات عسكرية ملحة كما اعتبر نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في ظروف معينة أن الترحيل أو النقل القسري للسكان قد يندرج ضمن الجرائم الدولية متى توافرت عناصره القانونية.
💬 التعليقات (0)