في زيارة لي لـ"بيروت" لا حظت أن المساجد والكنائس متجاورة، ولا تعلو إحداهما الأخرى. مسجد محمد الأمين- على سبيل المثال- الذي أعاد بناءه الراحل رفيق الحريري (اغتيل عام 2005)، وصممه على هيئة الفن العثماني. وبُني في ساحة الشهداء، عند خطوط جبهة الحرب الأهلية (1975- 1990)، نبهني صديق لبناني- أدينا صلاة العصر فيه- أن مئذنة المسجد، بعد تجديده وافتتاحه عام 2016، بلغ طولها 72 مترا.
وفي مقابل ذلك، أُعيد- بعدها- بناء برج أجراس كاتدرائية "سانت جورج" المجاورة للمسجد، بطول 72 مترا، ليتساوى مع طول مآذن محمد الأمين.
قد يكون المشهد "عابرا" ولكنه ذات مغزى ودلالة دقيقة، على هوية لبنان التي تأسست على المكونين الدينيين: المسيحية والإسلام، وأي "تلاعب" في هذه الهوية ولو حتى على مستوى المعمار "المساجد- الكنائس"، سيعيد البلد إلى مربع التساؤل بشأن التعايش السلمي وقبول الآخر، في ظل هوية وطنية، تقوم على التوافق والتراضي وليس على ادعاء التفوق الطائفي والاستعلاء وتغيير هوية الدولة المعمارية لصالح طائفة بعينها.
وفي السياق، عشية زيارتي الأولى إلى تركيا، كان قد استقر في يقيني أنه بلد علماني محض على الصعيدين المعماري والثقافي، وذلك منذ إلغاء الخلافة العثمانية رسميا في 3 مارس/آذار 1924.
بيد أن المفاجأة كانت- بالنسبة لي- مع خروجي من مطار أتاتورك الدولي في إسطنبول، حيث تبدل هذا اليقين تماما وقلت في نفسي- على الفور- إنه بلد مسلم وحسب. وذلك من خلال هويته المعمارية التي كانت أول ما شهدته فيه بعد استيفاء إجراءات الدخول: فالمآذن تشق عنان السماء، كوسيلة لإظهار القوة، تراها من على بعد بضعة كيلومترات.
وعندما سألت قيل لي: إن في إسطنبول وحدها أكثر 3200 مسجد (وتلك إحصائية مفتوحة غير نهائية). والمساجد هناك على الفن والمعمار العثماني القلاعي.
💬 التعليقات (0)