لن تكون جريمة الاحتلال ومستوطنيه الإرهابيين في قرية تل في محافظة نابلس في الضفة الغربية أمراً عابراً. إذ جسّدت في الواقع التحول النوعي الذي تمر به إسرائيل، التي نشأت من خلال مشروع استعمار استيطاني إحلالي، من الاستعمار العنصري إلى الفاشية.
ما جرى في تل كان تلخيصاً لكل ما يجري في الضفة الغربية طوال السنوات الماضية، استيطان استعماري منفلت من عقاله، ومحصّن بالكامل من أي عقوبات عربية أو دولية، وصل إلى حد نشر أكثر من 500 مستعمرة وبؤرة استيطانية تحاصر وتخنق القرى والمدن الفلسطينية، وتستولي بالسرقة الوقحة والسافرة على أراضيها، ومياهها، ومواردها الطبيعية وأجوائها، بل تغتصب بالكامل حيّزها الجغرافي. وعصابات إرهابية منظّمة تشنّ يومياً ما لا يقل عن 15 هجوماً على القرى والمدن الفلسطينية، تحرق البيوت والمركبات، تقتلع الأشجار، وتدمّر الممتلكات، وتهجّر التجمعات السكانية بقوة السلاح، محاولة أن تكرر ما قامت به عصابات الإرهاب الصهيونية، مثل الهاغاناه وشتيرن وايتسيل عام 1948 لتنفيذ النكبة وتهجير الشعب الفلسطيني. واليوم يمتزج المستوطنون وجيش الاحتلال، ويحملون أسلحته ويوظفونه ليس فقط لحماية أعمالهم الإرهابية، بل والمشاركة فيها. والحديث عن عصابات إرهاب يقودها ويمولها وزراء مستوطنون فاشيون، من أمثال بن غفير وسموتريتش، بدعم كامل من رئيس وزراء إسرائيل المطلوب لمحكمة الجنايات الدولية بنيامين نتنياهو.
لم يعد الأمر يقتصر على عشرات آلاف المستعمرين المستوطنين، بل عما لا يقل عن 850 ألف مستعمر يشكلون قاعدة سياسية كبيرة، لحكومة الإبادة الجماعية، ويسيطرون على مواقع قيادية كبرى في جيش الاحتلال، مثل قائد المنطقة الوسطى، ورئيس جهاز الشاباك، وغيرهم، ويتحالفون مع أركان التطرّف العنصري التلمودي، كوزير جيش الاحتلال كاتس، ونتنياهو نفسه.
ويجري هذا كله تحت عنوان "حسم الصراع" الذي يردّده الوزراء والقادة الإسرائيليون، فما الذي يقصدونه بالحسم في مواجهة بين أكبر وأقوى جيش في المنطقة يمتلك أحدث الأسلحة والقنابل النووية، ويتلقى دعماً غير محدود من الولايات المتحدة، وأجهزة استخباراتية تفتش كل شارع وبيت وهاتف وصوت في الضفة الغربية، وبين سكان مدنيين عزل يعيشون تحت الاحتلال مع سلطة مجردة بالكامل من صلاحياتها وعاجزة عن توفير أي حماية لهم.
الحسم في العرف الإسرائيلي استكمال مشروع الاستعمار الاستيطاني الإحلالي بضم الضفة الغربية، بما فيها القدس، وسلب أراضيها، وتهويدها والضغط بكل الوسائل لتحقيق الهدف النهائي بتهجير سكانها وسكان قطاع غزة وتطهيرهم عرقياً.
التحول الذي جرى في بلدة تل أن كل المنظومة الإسرائيلية انتقلت من الخنق، والحصار، والتدمير وسرقة الممتلكات إلى أُسلوب القتل المباشر للفلسطينيين، أي الإرهاب بالاغتيال والقتل. ولتبرير هذا، انبرى الإعلام الإسرائيلي للحديث عن "عمليات إرهابية فلسطينية"، وأعلن بدء "عملية عسكرية" واسعة في الضفة الغربية. والغرض من استخدام كلمة "عملية عسكرية" تكرار التزوير الإعلامي الذي استخدم في الانتفاضة الثانية وما تلاها، أن ما يجري في الضفة الغربية حرب، أو صراع عسكري بين جيشين، لإخفاء حقيقة أن ما يجري قمع وتنكيل جيش وعصابات إسرائيلية إرهابية لشعب أعزل يعيش تحت الاحتلال.
💬 التعليقات (0)