على خلاف الاعتقاد الشائع، فإن الحديث عن عوامل الخطر المرتبطة بالإصابة بالخرف لا ينبغي أن يبدأ عند الاقتراب من الشيخوخة، وإنما قبل ذلك بسنوات. خاصة أن معرفة هذه العوامل قد لا تكفي لإحداث تغييرات سلوكية جادة، إذ لا تزال هناك فجوة بين ما يعرفه الناس وما يطبقونه في حياتهم اليومية.
وهذا ما أشارت إليه مراجعة منهجية حديثة قادها باحثون من جامعة كيرتن الأسترالية، وخلصت إلى أن حملات التوعية واسعة النطاق قد تصل إلى جمهور كبير، لكنها غالبًا لا تحقق سوى تحسن محدود في المعرفة، ولا تنجح دائمًا في إحداث تغييرات سلوكية مستدامة، إذ لا تتعلق المشكلة دائمًا بنقص المعلومات فحسب، بل أيضًا بمدى ارتباطها بظروف الأفراد وقدرتهم على الوصول إلى الموارد.
تكتسب هذه المراجعة أهمية خاصة في ضوء تقرير لجنة "لانسيت" لعام 2024، الذي قدر أن التعامل مع مجموعة من عوامل الخطر القابلة للتعديل عبر مراحل الحياة قد يمنع أو يؤخر نحو 45% من حالات الخرف على مستوى السكان. وهو تقدير إحصائي لا يعني أن تعديل نمط الحياة يضمن للفرد النجاة من خطر الخرف، كما لا ينبغي استخدامه لإلقاء اللوم على المصابين، إذ يظل الخرف نتيجة تفاعل معقد بين العمر والاستعداد الوراثي والحالة الصحية والبيئة والظروف الاجتماعية.
ويشمل مصطلح الخرف، أو "الدمنشيا"، مجموعة من الأمراض التي تؤدي إلى تراجع الذاكرة والتفكير والقدرة على حل المشكلات، بدرجة تؤثر في أداء الأنشطة اليومية، كما تمتد آثارها إلى السلوك والمشاعر والعلاقات الاجتماعية. ويعد مرض ألزهايمر أكثر أشكال الخرف شيوعًا، ورغم أن احتمالية الإصابة به تزداد مع التقدم في العمر، فإن ذلك لا يعني أنه نتيجة حتمية للشيخوخة.
لا يتشكل خطر الإصابة بالخرف في مرحلة عمرية واحدة، بل يتراكم عبر عقود نتيجة تفاعل معقد بين العمر والاستعداد الوراثي ومستوى التعليم وصحة الأوعية الدموية والبيئة المحيطة والحالة النفسية والنشاط البدني. ووفقا لتقرير لجنة "لانسيت" لعام 2024 فإن التعامل مع مجموعة من عوامل الخطر القابلة للتعديل على امتداد الحياة قد يمنع أو يؤخر نحو 45% من حالات الخرف، لذلك لا توجد عادة واحدة قادرة وحدها على حماية الدماغ، بل مجموعة من التدخلات التي تعمل عبر مراحل الحياة على النحو التالي:
يعد انخفاض مستوى التعليم ضمن عوامل الخطر المبكرة التي أدرجها تقرير "لانسيت". ولا يعني هذا أن الشهادات المدرسية تمنع الإصابة بالخرف، وإنما يشير إلى أن فرص التعلم قد تسهم في تحسين قدرة الدماغ على الاستمرار في أداء وظائفه، ولا يقتصر ذلك على التعليم الرسمي، حيث يمكن أن تساعد القراءة أو تعلم مهارات جديدة وممارسة أنشطة ذهنية واجتماعية متنوعة في الحفاظ على نشاط الدماغ.
💬 التعليقات (0)