باريس – بين لغتين تولد دائما مساحة ثالثة معلّقة بين ما يُكتب وما يصل، بين صوت النص الأصلي وصدى حضوره في لغة أخرى. في هذه المساحة تتحرك الترجمة، عبورا هادئا بين الكلمات، ورحلة تفاوض مستمرة مع المعنى بما تحمله من احتمالات الفقد والاكتشاف.
إنها، كما يرى أمبرتو إيكو، نوع من التفاوض الدائم مع النص الأصلي، تفاوض بين صوتين وثقافتين وذاكرتين ينتهي دائما إلى ولادة نص جديد يحمل أثر الفراشة والرحلة التي قطعها.
ومن هذا الأفق تحديدا يمكن قراءة تجربة فرانشيسكو ليجيو، المترجم واللساني والباحث الإيطالي الذي أمضى عقودا في الإصغاء إلى العربية وآدابها، تجربة تشكلت عبر رحلة طويلة داخل اللغة والثقافة، بحثا عن تلك المساحات المشتركة التي تجعل لغة الآخر طريقا لاكتشاف الذات والعالم.
قادته دراسته للغة والأدب العربي بجامعة نابولي الشرقية إلى التعمق في أسئلة الرواية العربية، من خلال بحثه حول "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، ثم واصل مساره الأكاديمي بأطروحة دكتوراه تناولت تجليات العناصر اللهجوية المحلية في السرديات المعاصرة في تونس والجزائر، ليجمع بين حساسية الباحث ودقة اللساني وفضول المترجم الذي يرى في كل نص عالما قائما بذاته.
وعلى امتداد هذه الرحلة، ترجم ليجيو إلى الإيطالية أعمالا روائية عربية تركت أثرها في المشهد الثقافي، من بينها "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، و"ذاكرة الجسد" لأحلام مستغانمي، و"المشرط" لكمال الرياحي، إلى جانب أعمال عمارة لخوص الذي رافق مشروعه السردي منذ سنوات، مثل "البق والقرصان" التي أعاد إصدار ترجمتها لاحقا بعنوان "قرصان صغير جدا". وفي هذا المسار المتواصل تأتي ترجمته لرواية "خصوبة الشر" (La fertilità del male)، الصادرة حديثًا، لتفتح فصلًا جديدًا في علاقة طويلة مع الكاتب ومع أسئلة السرد العربي.
لا تتوقف تجربة فرانشيسكو ليجيو عند حدود نقل النصوص بين لغتين، فهي رحلة في معنى الأدب نفسه وفي قدرة الرواية على تفكيك الصور الجاهزة عن العرب والمسلمين وعلى خلق معرفة أكثر عمقًا بالآخر.
💬 التعليقات (0)