لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مساحة افتراضية للتسلية أو مشاركة تفاصيل الحياة العادية؛ بل تحولت، بحكم الواقع والدم، إلى شريان الحياة الإنساني الأخير، والـمُستند الجنائي الأبرز، ووسيلة التوثيق الأساسية لنقل ما يجري على الأرض. في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث، أصبح إغلاق حساب فلسطيني أو تقييده لا يعني مجرد حجب صفحة شخصية، بل هو محاولة ممنهجة لعزل الوعي الجمعي وإخفاء أدلة الإدانة ضد الجرائم التي تُرتكب بحق الإنسان.
أمام هذا الواقع، أدرك الجيل الجديد مبكراً أن وسائل الإعلام التقليدية الغربية تتبنى رواية أحادية الجانب، تنحاز للجلاد وتُغيب الضحية. من هنا، تحولت الحسابات الشخصية البسيطة لشبان وشابات إلى "وكالات أنباء بديلة" تنقل الحقيقة من قلب الحدث بصوتٍ صريح لا يعرف المواربة.
التواطؤ الرقمي: بالأرقام والذكاء الاصطناعي
هذه المعركة الرقمية ليست عشوائية، بل تُدار بتواطؤ رقمي ممنهج تقوده كبرى شركات التكنولوجيا وعلى رأسها شركة "ميتا". ولعل أخطر ما كشفته التسريبات الداخلية مؤخراً هو استجابة المنصة لنحو 94% من طلبات الحذف الموجهة إليها من السلطات الإسرائيلية، مما أدى إلى حذف آلاف المنشورات وتقييد وصول ملايين أخرى عبر ما يُعرف بـ "الحظر الخفي" (Shadowban).
لكن الخطر الأكبر لا يتوقف عند الحذف اللحظي؛ بل يمتد إلى المستقبل عبر "هندسة الرقابة آلياً". فالخوارزميات الحالية للذكاء الاصطناعي يتم تدريبها وتغذيتها بناءً على المنشورات التي تم حظرها مسبقاً. هذا يعني أن الآلة الرقمية باتت تتعلم تلقائياً تصنيف المفردات، والمصطلحات، والتغطيات الفلسطينية كـ "انتهاكات" بشكل آلي ومسبق، مما يهدد بفرض حصار معرفي شامل ومستدام على الصوت الفلسطيني في الفضاء السيبراني.
هذا التغول الرقمي توثقه المراكز الحقوقية الرقمية، وفي مقدمتها مركز "صدى سوشال"، عبر رصد مئات الانتهاكات شهرياً ضد المحتوى الفلسطيني عبر منصات (تليغرام، فيسبوك، إكس، تيك توك،)، مع تركيز شرس ومستهدف لصالح خنق حسابات الناشطين والصحفيين الذين يمثلون عين الحقيقة.
💬 التعليقات (0)