الحرب ظاهرة إنسانية تتسم بالتقلب وعدم الثبات، وتحدث فيها مستجدات تغير طبيعتها، ولذا يتحدث المنظر البروسي الشهير كارل فون كلاوزفيتز عن "ضباب الحرب"، الذي يتضح عند إنزال الخطط العسكرية من الأوراق إلى أرض الواقع. فالحروب لا تسير دائما وفق الخطط المرسومة، حيث يتخذ القادة قراراتهم بناء على معلومات ناقصة أو متضاربة، وتؤدي الحوادث غير المتوقعة وسوء التقدير وردود الفعل المتبادلة إلى تغيير مسار الحرب بصورة يصعب التنبؤ بها.
اليوم مع اندلاع موجة جديدة من القتال بين الولايات المتحدة وإيران، يتبادلان فيها الضربات، ويتمحور عنوانها الرئيسي حول ترتيبات المرور في مضيق هرمز وحرية الملاحة، يغيب عن الحرب طرف ظل في صدارة الصراع مع إيران، وهو إسرائيل. وتبدو هذه المفارقة أكثر تجليا عند المقارنة بجولات القتال السابقة.
ففي حرب يونيو/حزيران 2025، لعبت إسرائيل دور رأس الحربة في استهداف البرنامج النووي الإيراني، قبل أن تنضم الولايات المتحدة إلى قصف المواقع النووية الإيرانية بقنابل خارقة للتحصينات. وفي حرب فبراير/شباط 2026، برزت المواجهة منذ بدايتها بوصفها حربا أمريكية إسرائيلية مشتركة على إيران، بل إن إسرائيل لعبت دور المحرض الرئيسي على هذه الحرب، لدرجة أن دوائر في الولايات المتحدة تعتقد أنها هي من ورطت الإدارة الأمريكية فيها.
أما اليوم، فإن المشهد مختلف، فلا الطائرات الإسرائيلية تشارك في الغارات على إيران، ولا الصواريخ الإيرانية تتجه إلى تل أبيب أو حيفا أو بئر السبع. يصعب تفسير هذا الغياب بأنه نتيجة تراجع تل أبيب عن النظر إلى إيران بوصفها تهديدا ذا أولوية، أو إغفالا منها لأهدافها الإستراتيجية، المتمثلة في إسقاط النظام وتفكيك البرنامج النووي وتقييد مدى الصواريخ ووقف دعم إيران للجماعات المعادية لإسرائيل، إذ تؤكد المؤسسة العسكرية الإسرائيلية دوما على لسان إيال زامير قائد أركان الجيش بأنها تتابع التطورات عن كثب، وتحافظ على أعلى درجات الجاهزية، استعدادا للعودة الفورية إلى القتال إذا تطلب الأمر ذلك أو حدث أي تغير في الموقف.
تختلف المصالح الإستراتيجية للدول باختلاف الجغرافيا. بالنسبة للولايات المتحدة، يُشكّل مضيق هرمز أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، إذ تمر عبره جل صادرات النفط والغاز القادمة من منطقة الخليج. ولذلك، فإن أي محاولة إيرانية لفرض قواعد جديدة للملاحة أو إغلاق المضيق تُعَد تحديا للنفوذ الأمريكي، ولمبدأ حرية الملاحة الذي ترفع واشنطن راية الدفاع عنه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية (رغم اعتماد واشنطن المحدود على التجارة وحركة الطاقة المباشرة عبر المضيق).
أما إسرائيل، فتنظر إلى المشهد من زاوية مصالحها، فتجارتها البحرية لا تعتمد على مضيق هرمز، حيث ترتبط الموانئ الإسرائيلية الرئيسية، مثل حيفا وأشدود، بخطوط الملاحة في البحر المتوسط، بينما يظل ارتباطها بحركة السفن العابرة لهرمز محدودا مقارنة بدول الخليج أو القوى الصناعية الكبرى المستوردة للطاقة مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية. ومن ثم، فإن نجاح الولايات المتحدة في فرض حرية الملاحة في المضيق مكسب لإسرائيل، لكنه لا يتطلب مشاركتها العسكرية في القتال.
💬 التعليقات (0)