رغم صعود الصين وتنامي الحديث عن انتقال مراكز الثقل المالي نحو آسيا، لا تزال لندن تحتفظ بمكانتها بوصفها الوجهة الأولى لتخزين الذهب السيادي في العالم. ويعكس هذا الواقع أن المنافسة الدائرة اليوم لا تقتصر على امتلاك الذهب، بل تمتد إلى السيطرة على البنية التحتية التي تتيح حفظه وتداوله وإقراضه وتسويته، وهي ميزة ما زالت العاصمة البريطانية تتفوق فيها على منافسيها.
ويظهر مسح مجلس الذهب العالمي لعام 2026، الذي شمل 76 بنكا مركزيا، أن بنك إنجلترا لا يزال موقع التخزين الأكثر استخداما، إذ أفاد 57% من المشاركين بأنهم يحتفظون بجزء من احتياطياتهم لديه، بينما قال 49% إنهم يخزنون جزءا من الذهب داخل بلدانهم، في حين يستخدم 16% ترتيبات الحفظ التي يوفرها بنك التسويات الدولية.
وبنهاية يونيو/حزيران 2026، ضمت خزائن لندن التجارية وخزائن بنك إنجلترا نحو 9464 طنا من الذهب، بقيمة تقارب 1.2 تريليون دولار، أي ما يعادل نحو 760 ألف سبيكة معيارية. ويحتفظ بنك إنجلترا وحده بأكثر من 400 ألف سبيكة داخل تسع خزائن تحت الأرض، بينما لا تمثل حصة الخزانة البريطانية سوى نحو 6% من إجمالي الذهب المحفوظ لديه، إذ تعود النسبة الأكبر إلى بنوك مركزية وحكومات ومؤسسات مالية من مختلف أنحاء العالم.
يرى الاقتصادي والمصرفي شريف عثمان أن مكانة لندن تستند إلى تراكم تاريخي ومؤسسي بدأ منذ عصر المعيار الذهبي في القرن التاسع عشر، حين أصبحت المدينة مركزا رئيسيا لتجارة الذهب، قبل أن تعزز هذه المكانة عبر تطور أسواقها المالية واستمرارها في أداء دور محوري في النظام النقدي العالمي.
ويقول عثمان للجزيرة نت إن موقع لندن بين الأسواق الآسيوية والأمريكية منحها أفضلية جغرافية في حركة التداول، بينما وفر النظام القانوني البريطاني وحماية حقوق الملكية بيئة عززت ثقة البنوك المركزية والمؤسسات المالية في الاحتفاظ باحتياطياتها داخلها.
ويتفق الخبير الاقتصادي هشام بالمين مع هذا التقييم، موضحا أن تفوق لندن لا يرتبط بالتاريخ وحده، وإنما أيضا بامتلاكها واحدة من أكثر أسواق الذهب سيولة في العالم، وهو ما يمنح البنوك المركزية مرونة أكبر في إدارة احتياطياتها، سواء عبر البيع أو الشراء أو الإقراض أو استخدام الذهب في المعاملات المالية عند الحاجة.
💬 التعليقات (0)