"أرى زوجتي السابقة بجمالها الحزين وفستانها الأبيض يوم الطلاق… وأتساءل: هل سامحتني حقا؟ أم أن مرارتها لا تزال في الأعماق، فنالني من ظلمي لها ما نالني؟"
بهذه الكلمات روى لنا رجل في الأربعينيات عذابات ضميره وطيف زوجته الذي يحاصره، في رسالة عنوانها "الثوب الأبيض" نُشرت عام 1989 في صحيفة الأهرام المصرية، ضمن صفحة "بريد الجمعة"؛ الصفحة التي كان القرّاء في مصر يبثّون عبرها حكاياتهم عن الفراق والخسارة والمرض والحب والأبناء. أتوقّف عند هذا الرجل وأسأل: لو أنه كان يملك لغة الصدمة والاضطراب والحدود، أكان سيروي الحكاية ذاتها؟ أم أن اللغة وحدها كانت كفيلة بأن تغيّر الحكاية من جذورها؟
في السنوات الأخيرة اجتاح حياتنا ما يُعرف بـ"الخطاب النفسي" وهو خطاب يستند إلى أدبيات علم النفس والصحة النفسية، تسربت مفرداته عبر البرامج الحوارية وكتب المساعدة الذاتية وخوارزميات مواقع التواصل، ودورات الإنترنت وحسابات "المعالجين" و"الخبراء" على إنستغرام وفيسبوك، وحلقات البودكاست وإعلانات "الكوتشينغ" .
لم تعد لغة العلاج النفسي حبيسة العيادات والأكاديميات؛ بل غزت علاقات الحب، ومشاجرات الأصدقاء، وبيئات العمل، وتربية الأبناء، وحتى علاقتنا بأجسادنا وطعامنا. ومع هذا الحضور المتمدّد لم تنتشر مفردات جديدة فحسب، بل تمدّدت معانيها، وصارت مصطلحات مثل النرجسية والإدمان وأزمة الهوية والصدمة وفرط الحركة والتوحّد تُمتص في اللغة اليومية حتى تميعت. هذا ما أسماه نيك هاسلام وزملاؤه الباحثون في جامعة ملبورن "الزحف المفاهيمي" ، أي تسلل المفردات النفسية من حقولها الأكاديمية إلى الحياة العامة، لتشمل ظواهر وحالات لم تكن تشملها من قبل.
"لم تعد لغة العلاج النفسي حبيسة العيادات والأكاديميات؛ بل غزت علاقات الحب، ومشاجرات الأصدقاء، وبيئات العمل، وتربية الأبناء، وحتى علاقتنا بأجسادنا وطعامنا"
غير أن هذا التوسّع لم يبدّل طريقتنا في وصف أنفسنا فحسب، بل بدّل الأطر التي نفهم بها تجاربنا. فالكلمات ليست مفردات صماء محايدة، وكل كلمة تحمل داخلها شحنة من المعاني والافتراضات الضمنية، وبالتالي فإن تغيير التسمية لا يعني استبدال كلمة بكلمة، وإنما يعني إعادة تشكيل التجربة نفسها.
💬 التعليقات (0)