الكاتب: د. مروان إميل طوباسي
إستمعت قبل أيام ، عبر تسجيل متداول على مواقع التواصل الأجتماعي ، إلى جزء من مداخلة قدّمها أحد الإخوة خلال ندوة تناولت نظام الفصل العنصري الإسرائيلي والأمن القومي الفلسطيني ، بدعوة من إحدى المؤسسات الوطنية الفاعلة . وتوقفت عند ما ورد في تلك المداخلة حول مفهومي "الرؤية" و"الأمن القومي". ولأن ما أتيح لي الإستماع إليه هو الجزء المتداول فقط من تلك المداخلة المقدمة ، فإن هذه الملاحظات تنحصر في مناقشة الأفكار المطروحة فيها ، انطلاقاً من أهمية هذه المفاهيم بالنسبة للمشروع الوطني التحرري الفلسطيني ، بعيداً عن أي سجال شخصي .
فقد ورد في تلك المداخلة أن "الرؤية" تتمثل في عدم الانجرار إلى مواجهة شاملة مع الأحتلال ، لأن ذلك يخدم ما يسمى إسرائيلياً بـ"خطة الحسم". ولا أختلف مع حق أي قيادة أو مؤسسة وطنية في تقدير الموقف واختيار الوسائل التي تراها مناسبة في كل مرحلة ، وإن اختلفت معها في هذا التقدير . لكنني أعتقد أن ثمة خلطاً جرى بين الرؤية الوطنية ، والاستراتيجية ، وتقدير الموقف ، وهي مفاهيم لكل منها وظيفة مختلفة .
فالرؤية تحدد الغاية الوطنية ، والإستراتيجية ترسم المسار العام لتحقيقها ، أما تقدير الموقف فهو الأداة التي تُتخذ في ضوئها القرارات وفق معطيات كل مرحلة . لذلك ، لا يجوز اختزال الرؤية في قرار أمني آني ، ولا اختزال الأمن القومي في إجراء مرحلي منفصل عن استراتيجية وطنية شاملة .
وتزداد أهمية هذا التمييز في الحالة الفلسطينية ، لأننا لسنا دولة مستقلة تدافع عن حدودها من اعتداءات خارجية ، بل شعب ما زال يخوض معركة تحرر وطني على أرضه في مواجهة مشروع استعماري استيطاني إحلالي بكل أدواته واشكاله . ومن هنا ، فإن مفهوم الأمن القومي الفلسطيني ينبغي أن ينطلق من حماية مشروع التحرر الوطني ، لا من أعتبارات أمنية منفصلة أو إجرائية مجردة .
وليس هذا مفهوماً مستحدثاً ، فقد سعت الثورة الفلسطينية المعاصرة ومنظمة التحرير وفصائلها ، بما مثله الشهيد القائد صلاح خلف "أبو إياد" وغيره من القادة في بناء ومؤسسة ومفهوم الأمن الموحد ، إلى ترسيخ فهم يعتبر الأمن جزءاً من معركة التحرر الوطني ، ووظيفته حماية الشعب ووحدة الحركة الوطنية . وهو إرث يحتاج اليوم إلى تطوير بما ينسجم مع التحولات التي شهدتها القضية الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة .
💬 التعليقات (0)