الكاتب: عريب الرنتاوي، مستشار ومؤسس مركز القدس للدراسات السياسية.
تٌعطي عُمان معنى جديداً لمفهوم "الاعتدال" في السياسة والتحالفات العربية، يتخطى التماهي مع الاستراتيجية الأمريكية وإملاءاتها، ويسعى في بلورة رؤية أكثر توازناً واتزاناً في مقاربتها للشأن الإقليمي...بهذا المعنى، انفردت السلطنة بعلاقات طيبة مع طهران في مختلف الظروف، حتى في أزمنة القطع والقطيعة مع الجمهورية الإسلامية، مثلما انفردت كذلك، في إدانة الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، بوصفها حرباً بلا تفويض أممي، غير شرعية وغير ضرورية، في حين انصبت البيانات الرسمية العربية، معظمها على الأقل، على إدانة الهجمات الإيرانية ضد أهدافٍ في دول عربية، ضاربة صفحاً عن "أُسّ المشكلة"، والمتمثل في العدوان ذاته.
اليوم، ومنذ عدة أسابيع وأشهر، تتقدم السلطنة برؤية جديدة، تستوحي دروس الحرب الأخيرة، وترسم معالم طريق لمستقبل النظام الأمني الإقليمي، فيما يشبه المراجعة الشاملة لتجربة نصف قرن من الصراعات والحروب وحروب الوكالة وتدافع المحاور الإقليمية-الدولية، جاءت حصيلتها وبالاً على المنطقة وشعوبها، وتهديداً لأمنها واستقرارها وازدهارها.
تقوم رؤية مسقط على ركائز عدة، أوضحها رئيس الدبلوماسية العُمانية الوزير بدر البوسعيدي، في مقالين منشورين له، واحد في الإيكونوميست البريطانية (18 آذار/مارس 2026) والثاني في اللوموند الفرنسية (14 يوليو/تموز 2026)، وقد أعاد موقع وزارة الخارجية العُمانية، نشر المقالين، تأكيداً على "رسمية" الموقف وجديته، ومما جاء في المقالين:
• أولاً؛ في تقيّم الحرب، حيث جرى التأكيد أكثر من مرة، وفي غير موقع في المقالين، وفي البيانات الرسمية، أنها حرب غير شرعية، غير ضرورية، وبلا تفويض أممي، وأن واشنطن انجرت إليها بتحريض و"غواية" من إسرائيل، وأنها أدت إلى فقدان الإدارة الأمريكية السيطرة على سياستها الخارجية، وعطلت مساراً دبلوماسياً كان واعداً، ومحمّلاً ببشائر التوصل إلى اتفاق نهائي، وأفضت من ضمن ما أفضت إليه، إلى إلحاق أضرار جسيمة بأمن المنطقة ومصالحها، وأمن الطاقة والملاحة، من دون مسوّغ ذي مغزى.
• ثانياً؛ في المقالين، كما في مختلف التصريحات العُمانية، يجري التأكد والتشديد على أن "المهددات الأبرز والأخطر" لأمن الإقليم، تأتيه من خارجه، وليس من دوله ومكوناته، ودائماً يتم توجيه الاتهام إلى إسرائيل على وجه الخصوص، مع تلميح يقترب من التصريح، بأن واشنطن بانسياقها الأعمى وراء حملات التحريض الإسرائيلية، تتحول بدورها إلى عامل مزعزع للاستقرار...تلكم "سردية" تعاند السائد من السرديات العربية والخليجية، التي تكتفي بإدانة إيران وتحميلها وزر التوتر الإقليمي الحاصل، من دون أية إشارة إلى مسؤولية واشنطن، وبالأخص تل أبيب عمّا جرى ويجري.
💬 التعليقات (0)