لم تكن السيدة عائدة عبّاد تطلب أكثر من النجاة.
بصوتٍ اختلط فيه الخوف بالإرهاق، ظهرت في مقطع مصور تستغيث: "مشان الله ساعدوني، لا أكل ولا كهرباء". كانت محاصرة داخل منزلها في منطقة جبل الظهر بقرية جالود جنوب نابلس، بينما يحاصر المستوطنون المكان، ويهددونها وعائلتها بالقتل والحرق، وسط وجود قوات الاحتلال التي هددت أفراد الأسرة بالاعتقال، فيما انقطعت الكهرباء ونفدت المؤن، ليصبح المنزل أشبه بجزيرة معزولة في قلب الضفة الغربية.
وبينما تناشد السيدة عباد اخراجها وأبناءها وزوجها المريض بالقلب؛ يفتح فصل جديد من واقع تعيشه جالود منذ سنوات، وهي قرية فلسطينية صغيرة لا يتجاوز عدد سكانها نحو 750 نسمة، لكنها محاصرة بعشرات البؤر والمستوطنات المقامة على أراضيها، بعدما صودرت آلاف الدونمات من أراضيها الزراعية. ويقول مجلس القرية إن الاحتلال استولى على نحو 17 ألف دونم منذ سبعينيات القرن الماضي، ما أدى إلى تراجع الزراعة وتربية المواشي، ودفع كثيراً من أبناء القرية إلى الهجرة بحثاً عن العمل.
ومنذ بداية العام، تحولت جالود إلى هدف متكرر لهجمات المستوطنين. ففي كانون الثاني/يناير أُحرقت غرفة صفية في المدرسة الوحيدة بالقرية، وخُطت شعارات عنصرية على جدرانها. وفي آذار/مارس أُحرقت مركبات ومبانٍ واعتُدي على السكان، ثم تكررت الهجمات خلال نيسان/أبريل وأيار/مايو على منازل المواطنين، قبل أن تصل الاعتداءات اليوم إلى حصار منازل الأهالي وتهديدهم داخلها.
ويقول أهالي القرية إن المستوطنين لم يعودوا يكتفون بإحراق الأشجار أو تخريب الممتلكات، بل يسعون إلى فرض واقع يجعل الحياة اليومية مستحيلة. فالمزارعون يُمنعون من الوصول إلى أراضيهم إلا في فترات محدودة، والطلاب يذهبون إلى مدرستهم تحت الخوف، فيما تقضي العائلات لياليها مترقبة أي هجوم جديد.
في جالود، لا تبدأ الحكاية مع صرخة عائدة عبّاد، ولن تنتهي عندها. فالاستغاثة التي خرجت من منزل محاصر تختصر حياة قرية كاملة، تعيش بين الحصار والخوف، وتحاول كل يوم أن تثبت حقها في البقاء على أرضها، بينما تتكرر الاعتداءات ويضيق هامش الحياة أكثر فأكثر.
💬 التعليقات (0)