ما إن يخطو الطفل خطواته الأولى وينطق كلماته الأولى، حتى تبدأ كثير من الأسر سباقا غير معلن نحو التعليم المبكر. فيتباهى بعض الآباء بأن أبناءهم تعلموا الحروف أو القراءة قبل دخول المدرسة، بينما تتنافس بعض الحضانات في تقديم مناهج أكاديمية تشبه ما يدرسه تلاميذ الصفوف الأولى، حتى تكاد كل تفاصيل حياة الطفل تتحول إلى فرصة تعليمية. ومع ترسخ الاعتقاد بأن النجاح في المستقبل يبدأ من إتقان القراءة والعد في سن مبكرة، يحذر خبراء التربية وعلم النفس من أن هذه النظرة ليست دقيقة، فالبداية الأكاديمية المبكرة لا تعني بالضرورة مزيدا من الذكاء أو النجاح، بل قد تأتي أحيانا على حساب جوانب أساسية من نمو الطفل.
يربط كثيرون بين ذكاء الطفل وقدرته على القراءة أو الحساب في سن مبكرة، لكن التربويين يرون أن هذا التصور يبسط مفهوم الذكاء أكثر مما ينبغي. فالذكاء لا يقتصر على اكتساب المهارات الأكاديمية مبكرا، بل يشمل أيضا قدرات تتشكل منذ السنوات الأولى، مثل الفضول، وطرح الأسئلة، والتواصل، والخيال، والمرونة في مواجهة المشكلات، وضبط المشاعر، وهي جميعها ركائز أساسية للنمو المعرفي والاجتماعي، ولا تقل أهمية عن تعلم القراءة والكتابة.
كما أن الأطفال لا ينمون بالوتيرة نفسها، فقد يبدأ أحدهم القراءة في الرابعة من عمره، بينما لا يتقنها آخر إلا بعد دخوله المدرسة، من دون أن يعني ذلك وجود فرق دائم في مستوى الذكاء أو القدرة على التعلم مستقبلا.
وتوضح كاثي هيرش، أستاذة علم النفس بجامعة تمبل والمتخصصة في نمو الطفل، أن القراءة المبكرة ليست مقياسا للذكاء، مشيرة إلى أن التعجيل المفرط باكتساب المهارات الأكاديمية قد يأتي على حساب جوانب لا تقل أهمية، مثل تنمية اللغة والفضول واللعب والتفاعل الاجتماعي، وهي الأساس الذي يُبنى عليه التعلم في المراحل اللاحقة.
قد يبدو اللعب في نظر الكبار مجرد وسيلة للترفيه، لكنه بالنسبة إلى الأطفال يعد أحد أهم أشكال التعلم. فمن خلال اللعب الحر، يتعلم الطفل التفاوض مع أقرانه، وتقاسم الأدوار، وحل الخلافات، واتخاذ القرارات، وتجربة أفكار جديدة، كما ينمي مهاراته الحركية واللغوية والإبداعية.
وتؤكد مراجعة علمية نشرتها جامعة كامبريدج عام 2013 أن التعلم القائم على اللعب يؤدي دورا محوريا في السنوات الأولى من العمر، إذ تشير الأدلة المستمدة من أبحاث علم الأعصاب وعلم النفس والتربية إلى أن اللعب يعزز نمو الوصلات العصبية، ولا سيما في القشرة الجبهية المسؤولة عن الوظائف التنفيذية، مثل التخطيط وحل المشكلات والتنظيم الذاتي، وهو ما دفع الباحثين إلى الدعوة لإتاحة وقت أطول للأطفال للتعلم من خلال اللعب قبل الانتقال إلى التعليم النظامي.
💬 التعليقات (0)