من خلال طول أمد رئاسة الزعيم التاريخي ياسر عرفات، وكذلك طول أمد خليفته محمود عباس، اعتاد الفلسطينيون، فيما يبدو، ديمومة حكم الرجل الأول، مع إقرارهم بالفوارق الشخصية والموضوعية بين عرفات وعباس، حيث المشترك بينهما حركة «فتح»، ومكانتها في قلب الحالة الفلسطينية وإطاراتها المتجسّدة في «منظمة التحرير».
في عهد عرفات طويل الأمد، اجتمعت في الرجل مقوّمات زعامةٍ من طرازٍ خاص، لا يدقّق كثيراً في تطابقها مع خصائص الزعامة في الدول؛ سواءٌ أكانت تُصنّف دولَ «عالمٍ ثالث» حيث ديكتاتوريات الأفراد، أم «عالمٍ اشتراكي» حيث ديكتاتورية الحزب الواحد، أم «عالمٍ غربي» صاحب التقاليد والنظم الصارمة في مجال تداول الحكم.
وقد ورث عرفات نظاماً بسيطاً عن سلفه مؤسس «منظمة التحرير» المرحوم أحمد الشقيري، واسمه، ويا للمصادفة، أبو مازن، إلا إنه أدخل على النظام الموروث تعديلاتٍ وإضافات، جعلت النظام كله، بصيغته المعدّلة والموسعة، يسمَّى بحق «نظام عرفات». وفي مسيرة زعامته الطويلة، ظهرت معارضاتٌ لسياساته ومبادراته، كما وقعت انشقاقاتٌ وتمرّداتٌ كاد بعضها يصل إلى حد الاقتراب من إطاحته، إلا إنه، وبفعل مواهبه الاستثنائية، نجا منها، ليكرِّس زعامته مدى حياته.
في عهد عرفات بُني نظامٌ سمّي باسمه، لكنه كان حصيلة اندماجٍ لمكوّناته الوطنية باستخدامٍ جرى في منتهى الدهاء والذكاء لإطارٍ احتوى الجميع على مختلف اجتهاداتهم وحتى ارتباطاتهم، هو «منظمة التحرير»، وصار عرفات جزءاً من النظام، كما تكرّس النظام جزءاً من عرفات، وهكذا سارت الأمور إلى أن انتهى عهده بالوفاة، ليأتي من بعده زميله في القيادة التاريخية محمود عباس.
البيئة التي احتضنت زعامة عرفات تغيّرت جذرياً منذ دخل، وبإجماعٍ من قِبل نظام «منظمة التحرير»، مسارَ التسوية مع إسرائيل، بالانخراط في «فعالية مدريد الدولية»، ثم الانخراط المباشر في «فعالية أوسلو السرية»، التي جعلت «مدريد» من الماضي، وأسست لوضعٍ جديدٍ فيه من الغموض والالتباس والخطر أكبر بكثيرٍ مما فيه من بداياتٍ لتسويةٍ رغب فيها الفلسطينيون، وأساسها تخلّصهم من الاحتلال وقيام دولتهم.
توفي عرفات بعد أن جاهد لتعديل «مسارات أوسلو»، بما في ذلك لجوؤه إلى العمل المسلّح المفترض أنه تمّ الانتهاء منه، ليأتي بعده عباس الذي اكتسب لقب «مهندس أوسلو»؛ مما جعل من الرهان عليه لإنقاذ المشروع المتعثر أمراً منطقياً... فمَن غيره يصلح لمهمةٍ كهذه؟
💬 التعليقات (0)