انتهت المباراة النهائية في أهم حدث رياضي عالمي، رُفع الكأس واحتفلت الجماهير، وانتشرت الجدالات والنقاشات على حساباتنا في وسائل التواصل الاجتماعي، وعاد الناس إلى حياتهم اليومية، لكن الحدث الحقيقي لم يكن في الهدف الفائز ولا في مراسم التتويج، بل في ذلك المشهد العالمي الذي كشف مرة أخرى أن الرياضة لم تعد مجرد منافسة بين أحد عشر لاعبا في كل منتخب، بل ساحة تتقاطع فيها السياسة والهوية والقيم والروايات والقوة الناعمة، لقد انتهى كأس العالم لكن ما تركه من رسائل يتجاوز حدود البطولة نفسها.
في المباراة النهائية بين إسبانيا والأرجنتين لم يكن جزء كبير من النقاش الدائر على منصات التواصل الاجتماعي يدور حول الخطط التكتيكية أو نجومية اللاعبين بل حول مواقف الدول وصورة قادتها وانعكاس ذلك على خيارات المشجعين، بالنسبة إلى كثيرين – وخاصة في الفضاء الرقمي العربي والفلسطيني- تحولت المباراة إلى مساحة لإسقاط المواقف السياسية؛ فإسبانيا ارتبطت في الوعي العام بمواقف حكومتها التي اتخذت خلال العامين الماضيين مواقف داعمة لحقوق الشعب الفلسطيني، بينما ارتبطت الأرجنتين بخطاب رئيسها الداعم لدولة الاحتلال وتصريحاته المتكررة المؤيدة للصهيونية، وبين هذين التصورين لم يعد التشجيع لدى بعض الجماهير مجرد انحياز رياضي بل أصبح تعبيرا عن موقف سياسي وأخلاقي.
ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده ليس اختلاف مواقف الجماهير العربية أو الدولية، وإنما الانقسام الذي ظهر داخل الجمهور الفلسطيني نفسه، فقد انشغل كثيرون في نقاشات تجاوزت كرة القدم؛ بين من رأى أن الرياضة يجب أن تبقى بمنأى عن السياسة ومن اعتبر أن العالم نفسه لم يعد يفصل بينهما وأن كل حدث عالمي أصبح مساحة للتأثير في الرأي العام سواء أراد المنظمون ذلك أم لم يريدوا.
هذه الحالة ليست استثنائية، بل تعكس تحولا بنيويا في النظام الاتصاليالعالمي، ففي عصر المنصات الرقمية لم تعد القوة الناعمة حكرا على الحكومات ولم تعد الدبلوماسية تقتصر على السفارات والوزارات.
اليوم، يمكن لمنشور واحد أو صورة أو مقطع فيديو أو موقف يتبناه لاعب أو مشجع أو مؤثر أن يصل إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات وأن يؤثر في تشكيل الانطباعات أكثر مما تفعله البيانات الرسمية.
وهنا تحديدا، تبرز فكررة الدبلوماسية الشعبية الرقمية وهي ليست مجرد نشر محتوى داعم للقضية الفلسطينية عبر وسائل التواصل الاجتماعي – كما يُتزل المفهوم أحيانا – وإنما منظومة متكاملة لتوظيف الأدوات الرقمية في بناء علاقات مستدامة مع الشعوب وصناعة التعاطف وتوسيع دوائر التأصير وتحويل المؤيدين إلى شركاء فاعلين في نقل الرواية الفلسطينية داخل مجتمعاتهم، بمعنى هي انتقال من مفهوم إيصال الرسالة إلى منطق بناء الشبكات ومن ردود الفعل الموسمية إلى عمل تراكمي طويل الأمد.
💬 التعليقات (0)