منذ حرب الأيام الستة عام 1967، ثم معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية عام 1978، واتفاق أوسلو عام 1994، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، وغزو العراق، والربيع العربي، واتساع موجة التطبيع، وصولا إلى أحداث السابع من أكتوبر، شهد الإقليم تحولات عميقة ومتراكمة. هذه الأحداث، على اختلاف طبيعتها، أسهمت في تقدم المشروع الصهيوني، الذي استطاع أن يفرض نفسه على المنطقة، تارة بالقوة العسكرية، وتارة بالإغراءات السياسية والاقتصادية، وتارة بالاثنين معا.
وترافق هذا التقدم مع محاولات حكومية، وشبه حكومية، وحتى شعبية، لإعادة تشكيل صورة الفلسطيني في الوعي العربي. فلم يعد الفلسطيني يقدم بوصفه صاحب قضية عادلة فحسب، بل جرت محاولات لشيطنته، وتجريده من المكانة الرمزية التي أحاطت به لعقود، وإنزال القضية الفلسطينية من موقعها المركزي، لتصبح مجرد قضية بين قضايا كثيرة، أو حتى عبئا على الدول العربية. في المقابل، جرى تقديم القضايا المحلية، الاقتصادية والأمنية والاجتماعية، باعتبارها أولويات تتقدم على القضية الفلسطينية، في ظل تحولات عميقة أصابت النظام العربي نفسه.
برأيي، فإن هذه الظاهرة لها أسباب عديدة ومتداخلة.
أول هذه الأسباب هو أنها تمثل، إلى حد ما، ردة فعل جماهيرية على الخطاب الذي كانت بعض الأنظمة العربية تروج له لعقود. فقد استخدمت القضية الفلسطينية في كثير من الأحيان لتبرير القمع، وتأجيل التنمية، وتفسير الفشل السياسي والاقتصادي، حتى أصبح بعض الناس ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها جزءا من المشكلة، لا بسبب الفلسطينيين أنفسهم، وإنما بسبب الطريقة التي استغلت بها الأنظمة هذه القضية.
السبب الثاني يتمثل في توسع عمليات التطبيع. فالتطبيع ليس مجرد اتفاقيات سياسية، بل هو عملية لإعادة تشكيل الوعي العام، وإعادة ترتيب الأولويات، وإنتاج رواية جديدة ترى في إسرائيل شريكا محتملا، لا عدوا استراتيجيا. ومن الطبيعي أن تتطلب هذه العملية تقليص مكانة الفلسطيني في الوعي العربي، لأن بقاء القضية في مركز الاهتمام يعيق نجاح هذا التحول.
أما السبب الثالث، فلا يمكن إنكاره، وهو سوء الأداء الفلسطيني نفسه. فالانقسام الداخلي، وتراجع المؤسسات، والاتهامات المستمرة بالفساد، وضعف المشروع الوطني، كلها عوامل أضعفت التعاطف مع الفلسطيني، ومنحت خصومه مادة جاهزة للهجوم عليه وتشويه صورته.
💬 التعليقات (0)