في سرير مستشفى ببغداد، استيقظ رجل نجا للتو من صاروخ أمريكي ليجد صدام حسين واقفا عند رأسه، ينحني ويطبع قبلة على خده. لم يكن الناجي جنرالا ولا وزيرا ولا ضيفا رفيعا من ضيوف النظام؛ كان صحفيا أردنيا يعمل في الظل لحساب شبكة أمريكية، جاء يغطي الحرب فكاد يصير من ضحاياها.
المشهد واحد من حكايات كثيرة يرويها أمجد تادرس في مذكراته "الفيكسر" (The Fixer) الصادرة بالإنجليزية مطلع أكتوبر/تشرين الأول 2025، والتي يفتح فيها المنتج السابق لشبكة "سي بي إس نيوز" الأمريكية في الشرق الأوسط دفاتر ثلاثة عقود ونيف أمضاها خلف الكاميرا، يصنع القصص التي يظهر بها غيره على الشاشة، من حروب العراق إلى الربيع العربي، ومن خلفيات منفذي هجمات 11 سبتمبر/أيلول إلى الهجمات الكيميائية على المدنيين في سوريا.
كلمة "فيكسر" التي اختارها تادرس عنوانا لمذكراته تسمي مهنة بلا مجد ظاهر؛ فالفيكسر (المنسق المحلي الذي يمهد للمراسل الأجنبي طريقه في بلد لا يعرفه) هو من يدبر التصاريح ويفتح الأبواب المغلقة ويرتب المقابلات الصعبة، ويقرأ الخريطة الأمنية قبل الجغرافية، ويترجم الثقافة قبل أن يترجم اللغة. وهي مهنة غالبا لا يتصدر صاحبها الشاشة ووجهه لا يظهر في الكادر، لكن التقرير الذي يخطف الجوائز ما كان ليوجد لولاه.
من هذه الزاوية تكتسب المذكرات قيمتها؛ فالرجل الذي أمضى عمره يضع الآخرين في الضوء يقف فيه الآن بنفسه، والصوت الذي ظل يهمس في آذان أشهر مراسلي أمريكا يتحدث أخيرا بضمير المتكلم. وقد لخص بيل أوينز، المنتج التنفيذي السابق لبرنامج "60 دقيقة" الشهير، المفارقة في تقديمه للكتاب حين ذكر أن تادرس اختار لنفسه لقب "الفيكسر" بينما كان الجميع في البرنامج يعرفونه ببساطة بوصفه "الأفضل".
لم تكن الصحافة خطة تادرس الأولى. وُلد في الأردن لعائلة لاجئة فلسطينية، ودرس الهندسة الميكانيكية في "إمبريال كوليدج" بلندن وتخرج فيها بمرتبة الشرف، قبل أن تقذفه المصادفة، كما يروي الناشر، إلى عالم الأخبار عام 1990، عشية حرب الخليج الثانية.
ومنذ ذلك العام حتى 2023 ظل الرجل عين "سي بي إس" على المنطقة ومنتجها الإقليمي، يدير تغطية التحولات الكبرى واحدة تلو الأخرى، ويقتنص في الطريق 4 جوائز "إيمي" (أرفع جوائز التلفزيون الأمريكي) عن قصص منها تغطية هجمات الغاز الكيميائي في سوريا و"الخوذ البيضاء"، إلى جانب جائزة "بيبودي" العريقة وجائزتي "ألفريد دوبونت" من كلية الصحافة بجامعة كولومبيا.
💬 التعليقات (0)