الكاتب: إبراهيم أبو عواد - كاتب من الأردن
لم يكن الشعر النسوي في الشرق مجرد انفعال وجداني أو تعبير عن عاطفة شخصية، بل كان في كثير من محطاته التاريخية مشروعًا لمساءلة الواقع، وكشفًا للمشكلات الاجتماعية التي أحاطت بالمرأة.
ومن بين الأصوات التي استطاعت أن تُحوِّل القصيدةَ إلى مساحة للمواجهة الفكرية والوجودية، تبرز الشاعرة اللبنانية جمانة حداد ( وُلدت 1970 ) والشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد ( 1934_ 1967 ) بوصفهما تجربتين مختلفتين في البيئة والثقافة، ومتقاربتين في الجرأة والتمرد والسعي إلى تحرير الذات الأنثوية من القيود الاجتماعية والثقافية.
التمردُ عند الشاعرتين يرتبط بالفوضى، ونقضِ القيم الإنسانية، ويُمثِّل احتجاجًا على كُلِّ سُلطة تصادر حق المرأة في التفكير، والحُب، والإبداع، والاختيار. لقد أرادتا أن تسترد الأنثى صوتها بعد أن ظلَّ طويلًا مُحاصَرًا بخطابات الآخرين، وأن تتحوَّل من موضوع يُكتَب عنه إلى ذات تكتب نفسها بنفسها.
جمانة حداد جاءت من بيئة عربية مختلفة، لكنها اصطدمت بالأسئلة ذاتها. اختارت منذ بداياتها أن تكتب بلغة صادمة لإثارة الجدل،وكسرِ الصمت الذي أحاطَ بالجسد الأنثوي، والرغبةِ، والحريةِ الفكرية. وهي ترى أن الثقافة الذكورية لا تهيمن بالقوة وحدها، وإنما تهيمن أيضًا باللغة، لذلك حاولتْ أن تعيد تشكيلَ اللغة الشعرية بحيث تصبح أكثر قدرة على التعبير عن التجربة النسوية بعيدًا عن القوالب التقليدية.
في قصائد جمانة حداد، لا تبدو المرأة ضحية تنتظر الإنقاذ، بل ذاتًا واعية تعيد تعريفَ نفسها باستمرار. إنها امرأة تبحث عن هُويتها خارج التصنيفات الجاهرة، وترفض أن تكون مرآة لرغبات الآخرين. ومن هُنا جاءت قصيدتها مزيجًا من الحس الفلسفي، والتمردِ الوجودي، والاحتجاجِ الثقافي، حتى أصبحت الكتابة لديها فعلًا من أفعال المقاومة.
💬 التعليقات (0)