يعدّ الإعلام في فلسطين أحد أهم أسلحة النضال وسنداً قوياً للثورة منذ بدايتها؛ فلم يكن الإعلام الفلسطيني بأنواعه المختلفة عبر التاريخ مجرد ترفٍ مهني أو أداة لنقل الخبر، إنما جسّد المثال منذ أن وعى الفلسطيني جرحه، وكان مرآة لوجوده وسلاحاً لثورته، وشاهداً على مأساته. إن حكاية الصحافة الفلسطينية هي حكاية الأرض والإنسان والقضية، فحينما تقيد بالسلاسل تبتكر سبل الحرية، وحينما تحاصر بمقص الرقيب العسكري تخطّ بالدم الحقيقة، من الورق المهرب تحت جنح الظلام في أزقة المخيمات، إلى الفضاء الرقمي المفتوح المصحوب بالدماء تحت دوي القذائف، ظل الإعلام الفلسطيني يقاوم الفناء، من نجيب نصار وعيسى العيسى إلى غسان كنفاني وكمال ناصر إلى شيرين أبو عاقلة وأحمد أبو حسين إلى مئات الشهداء الصحافيين في حرب الإبادة، معلناً أن الكلمة قنبلة، والصورة توثيق، والصوت لا يموت، وأن الشاهد قد يسقط شهيداً لكن الحقيقة لن توارى الثرى.
معركة البيان السرّي (1987- 1994):
اندلعت الانتفاضة الأولى (انتفاضة الحجارة) في أواخر عام 1987، وحملت معها تحدياً إعلامياً غير مسبوق في ظل غياب أي سيادة وطنية على الأرض. فرضت سلطات الاحتلال الإسرائيلي حينها رداءً صارماً من الرقابة العسكرية المسبقة على الصحف العربية الثلاث الوحيدة المرخصة في القدس المحتلة: القدس، الفجر، والشعب، ومجلة البيادر السياسي. وكان الرقيب العسكري يشطب عناوين بأكملها، تاركاً مساحات بيضاء ناصعة داخل الصفحات تعكس حجم القمع وتتحول بدورها إلى رسالة بليغة للقارئ.
أمام هذا الحصار، اجترح الفلسطينيون البيان الصحافي السرّي (المنشور) كأداة إعلامية وتعبوية رئيسية، تولت القيادة الوطنية الموحدة بداية الانتفاضة صياغة هذه البيانات، وطباعتها سراً عبر آلات نسخ بدائية، وتوزيعها بواسطة ملثمون ليلاً، لتحديد أيام الإضراب الشامل وتوجيه مسار المواجهات الشعبية. وفي غياب المحطات المحلية، ارتبط الوجدان الفلسطيني بالإذاعات العابرة للحدود؛ فكان الاعتماد كلياً على إذاعة القدس التابعة للجبهة الشعبية (القيادة العامة) من سوريا، وصوت منظمة التحرير الفلسطينية (صوت فلسطين) من بغداد والجزائر، وظهرت بعض النسخ المحلية من صحف حزبية فلسطينية مثل: الثورة مستمرة، الاستقلال. إلى جانب القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية "BBC" وإذاعة "مونت كارلو" الفرنسية. أما التوثيق المرئي، فاقتصر على صناعة الكاسيت والفيديو، حيث كانت أشرطة (VHS) تسجل المظاهرات والأناشيد الثورية وتتداول سراً بين العائلات كمنشورات مرئية مهربة. فيما جسدت المقاومة الشعبية عناوين صحف مكتوبة على الجدران بواسطة علب البوية (البخاخات)، تعلن من خلالها تعليمات القيادة أو تعبر عن الحالة الشعبية.
مأسسة الإعلام (1994- 2000):
شكّل توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993 وتأسيس السلطة الوطنية الفلسطينية عام 1994، نقطة تحول جوهرية، واتجه الإعلام الفلسطيني نحو المأسسة والانفتاح العلني. وانتقل من طابع السريّة ومواجهة الرقيب المباشر إلى فضاء العمل المؤسسي المرخص والمستقل نسبيّاً. في هذه الفترة، شهد الإعلام المكتوب ولادة صحيفتين يوميتين بارزتين هما: صحيفة الأيام وصحيفة الحياة الجديدة، واللتان شكلتا إلى جانب صحيفة القدس الأعمدة الثلاثة للصحافة المكتوبة. وعلى صعيد الإعلام المسموع والمرئي، شهد عام 1993 صدور قرار رئاسي بتأسيس "هيئة الإذاعة والتلفزيون الفلسطينية"، لينطلق في عام 1994 بث تلفزيون فلسطين الرسمي وإذاعة صوت فلسطين من داخل الأراضي المحتلة لأول مرة. بالتوازي مع الإعلام الرسمي، ظهرت ظاهرة فريدة تمثلت في المحطات التلفزيونية والإذاعية المحلية اللاسلكية التي تبث عبر موجات (UHF/VHF) و(FM)، حيث انتشرت عشرات المحطات التجارية والأهلية في مختلف المدن، محققةً ارتباطاً وثيقاً بالجمهور المحلي ومقدمةً هامشاً جديداً من التعددية الإعلامية.
💬 التعليقات (0)