لعقود طويلة، شكّلت عبارة "احذر من الغرباء" (Stranger Danger) حجر الزاوية في تربية الأطفال على الحذر من مخاطر العالم الخارجي. كانت هذه الجملة تُلقن للأطفال منذ نعومة أظفارهم باعتبارها الدرع الواقي من كل أذى محتمل، إلا أن التحولات الاجتماعية والتكنولوجية المتسارعة دفعت خبراء التربية وسلامة الطفولة والمنظمات الدولية المعنية بحماية الأطفال إلى إعادة النظر جذريا في هذا المفهوم، بل والتحذير من أنه قد يصبح، في بعض الحالات، عائقا أمام حماية الطفل بدلا من أن يكون وسيلة لها.
الصورة الذهنية السائدة عن "المعتدي" باعتباره شخصا غريبا يتربص بالأطفال في الأماكن المعزولة لا تعكس الواقع كما تظهره الدراسات الميدانية.
تشير بيانات المركز الوطني للأطفال المفقودين والمستغلين (NCMEC) إلى أن الغالبية العظمى من حالات إساءة معاملة الأطفال أو استغلالهم تقع على يد أشخاص يعرفهم الطفل ويثق بهم، سواء كانوا أقارب، أو جيرانا، أو معلمين، أو مدربين رياضيين.
تؤكد أبحاث منظمة اليونيسف أن تركيز الخطاب التوعوي الأسري حصرا على "الغريب" يترك الطفل دون أدوات دفاعية أو وعي كاف للتعامل مع سلوكيات مؤذية قد تصدر عن أشخاص في محيطه القريب والمألوف، حيث يسهل استغلال ثقة الطفل تحت غطاء القرابة أو المعرفة.
لم يعد الخطر مرتبط بالمسافة الجغرافية كما كان الحال في الماضي؛ فمع انتشار منصات الألعاب الإلكترونية والتطبيقات الاجتماعية، بات بالإمكان أن يتسلل الخطر إلى غرفة الطفل نفسها عبر شاشة هاتفه أو حاسوبه.
يوضح المختصون في أمن الأطفال الرقمي لدى مؤسسة سلامة الإنترنت للأطفال (Internet Keep Safe Coalition) أن المعتدين يعمدون إلى بناء علاقة تدريجية مع الطفل عبر الإنترنت تعرف بـ "الاستدراج الرقمي" (Online Grooming).
💬 التعليقات (0)