خاص المركز الفلسطيني للإعلام
حين تتحول شقة سكنية إلى ركام في دقائق، وحين يخرج طبيب من غرفة عمليات ليجد المستشفى نفسه تحت التهديد، لا يعود الحديث عن أرقام مجردة أو «أضرار جانبية». العدوان الإسرائيلي على المدنيين هو واقع يومي يطاول الإنسان الفلسطيني في بيته وشارعه ومدرسته ومكان لجوئه، ويعيد طرح سؤال لا يجوز الالتفاف عليه: كيف يُترك السكان العزل أمام آلة عسكرية تتعامل مع مقومات الحياة باعتبارها أهدافاً قابلة للتعطيل والتدمير؟
في غزة، وفي الضفة الغربية والقدس المحتلة بدرجات وأساليب مختلفة، لا ينفصل الخطر عن تفاصيل الحياة. العائلة التي تبحث عن ماء، والطفل الذي يحاول الوصول إلى مدرسته، والمسن الذي ينتظر دواءه، والنازح الذي يظن أن مكان الإيواء يوفر له قدراً من الأمان، جميعهم يتحملون كلفة سياسة لا يمكن اختزالها في لغة عسكرية باردة.
تسعى الرواية الإسرائيلية الرسمية في كثير من الأحيان إلى تقديم كل قصف أو اقتحام أو قتل باعتباره واقعة استثنائية فرضتها «ضرورات أمنية». لكن تكرار المشهد، واتساع رقعته، وتزامنه مع الحصار ومنع الإمدادات والتهجير القسري، يكشف أن المسألة ليست سلسلة أخطاء منفصلة. إنها نمط من القوة المفروضة على مجتمع كامل، حيث يصبح المدني محاصراً بين الخطر المباشر وبين انهيار الشروط الأساسية للبقاء.
لا تقتصر الحماية المدنية على عدم إطلاق النار على الأفراد غير المسلحين. الحماية تعني أيضاً صون المنازل والمستشفيات وسيارات الإسعاف وشبكات المياه والمخابز والمدارس، وضمان وصول الغذاء والدواء والوقود. وحين تُضرب هذه المرافق أو تُعطّل أو يُمنع عنها ما تحتاجه للعمل، فإن الأثر لا يقف عند المبنى المستهدف، بل يمتد إلى آلاف العائلات التي تعتمد عليه.
الخطير في هذا النهج أنه يخلق معادلة مستحيلة للمدنيين. يطلب منهم مغادرة مناطقهم تحت النار، ثم لا يضمن لهم مأوى آمناً أو طريقاً آمناً أو احتياجات أساسية في المكان الذي يُدفعون إليه. ويُطلب منهم الاحتماء في منشآت مدنية، بينما تبقى تلك المنشآت عرضة للخطر. هذه ليست خيارات حرة، بل حالة اقتلاع قسري تُنزع فيها من الناس قدرتهم على تقرير أبسط شؤون حياتهم.
💬 التعليقات (0)