منذ اللحظة التي بدأ فيها الإنسان يعي وجوده، رافقه سؤال لم يستطع أن يتجاوزه: من أنا؟ لم يكن هذا السؤال بحثًا عن اسم أو هوية أو موقع في هذا العالم، بل كان بحثًا عن المعنى الأعمق للوجود، عن السر الذي يجعل الإنسان مختلفًا عن كل ما حوله، وعن الغاية التي تمنح حياته اتجاهًا.
لقد قطع الإنسان رحلة طويلة في اكتشاف العالم من حوله. نظر إلى السماء فتعرف إلى قوانينها، وغاص في أعماق المادة فاكتشف أسرارها، وبنى الحضارات، وطوّر العلوم، وصنع أدوات غيرت وجه الحياة. لكنه، رغم كل ما حققه، بقي أمام السؤال الأصعب: هل استطاع الإنسان أن يعرف نفسه بالقدر الذي عرف به الأشياء من حوله؟
ربما كان أعظم اكتشاف ينتظر الإنسان ليس اكتشاف عالم جديد خارج ذاته، بل اكتشاف ذاته نفسها. فالإنسان يستطيع أن يسيطر على كثير من الأشياء، لكنه قد يبقى عاجزًا عن فهم نفسه. وقد يمتلك المعرفة، لكنه يفتقد الحكمة. وقد ينجح في بناء العالم من حوله، لكنه يفشل في بناء عالمه الداخلي.
هنا يأتي القرآن الكريم بوصفه خطابًا مختلفًا؛ فهو لا يقف أمام الإنسان ككتاب معلومات فقط، ولا كمنظومة أوامر ونواهٍ فحسب، بل كمرآة يقف أمامها الإنسان ليرى حقيقته. إنها ليست مرآة تعكس مظهره الخارجي، بل تكشف أعماقه: ضعفه وقوته، قدراته وحدوده، غايته ومسؤوليته.
فالقرآن لا يبدأ مع الإنسان من السؤال: ماذا ينبغي أن تفعل؟ بل يبدأ من السؤال الأسبق: من أنت؟ لأن معرفة الإنسان لحقيقته هي الأساس الذي يبنى عليه كل فعل. فالإنسان الذي لا يعرف نفسه قد يمتلك القوة لكنه لا يحسن استخدامها، وقد يمتلك العلم لكنه لا يعرف طريقه، وقد يبحث عن النجاح لكنه لا يعرف معنى النجاح.
ومن هنا تأتي خصوصية القرآن؛ فهو تعريف إلهي بالإنسان، لأن مصدره هو خالق الإنسان. قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. فالإنسان قد يحاول فهم ذاته من خلال تجاربه المحدودة، أو من خلال تصورات الآخرين عنه، أو من خلال النظريات التي يضعها العقل البشري، لكن القرآن يفتح أمامه نافذة أخرى: أن يرى نفسه في الميزان الإلهي.
💬 التعليقات (0)