حين طلبت الدوحة عام 1999 من المعماري آي إم باي (الأمريكي من أصل صيني، صاحب هرم اللوفر الزجاجي والحائز جائزة بريتزكر العالمية المرموقة للعمارة) أن يصمم متحفا للفن الإسلامي، كان الرجل قد جاوز الثمانين واعتزل المهنة.
قبِل التكليف على طريقته؛ جاب العالم الإسلامي ستة أشهر كاملة يبحث عن جوهر عمارته حتى وجد ضالته في "سبيل الوضوء" بمسجد أحمد بن طولون في القاهرة (القرن الثالث الهجري/التاسع الميلادي)، ثم اشترط أن يقوم المتحف على جزيرة اصطناعية تبعد عن كورنيش الدوحة ستين مترا، كي لا يزاحمه برج ولا يحجب سماءه زجاج في قادم العقود.
ورحل اليوم الأحد 12 يوليو/تموز 2026 الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وغادر الدنيا عن 74 عاما تاركا وراءه ما يتجاوز حدود الدولة التي حدّثها؛ متاحف صممها كبار معماريي العالم، ومكتبة وطنية تحرس الكتب والمخطوطات، وشاشة أعادت تعريف الإعلام العربي، وجائزة تحمل اسمه تعبر اللغات من الكورية إلى الهاوسا.
وخلال أقل من عقدين، تحولت قطر في عهد الأمير الوالد إلى أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، وصاحبة أحد أكبر الصناديق السيادية، وإحدى أعلى الدول دخلا للفرد، وهو تحول ارتبط بإستراتيجية اعتمدت على استثمار الثروة الطبيعية في بناء أصول إنتاجية ومؤسسات مالية وبنية تحتية ورأس مال بشري، أكثر من ارتباطه بارتفاع أسعار الطاقة وحده، لكن الرجل الذي أدار واحدة من أغنى دول العالم بالغاز راهن مبكرا على ثروة من طراز آخر.
تولى الشيخ حمد الحكم في يونيو/حزيران 1995، وفي العام نفسه أسس مع الشيخة موزا بنت ناصر "مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع"، ورسالتها المعلنة نقل البلاد "من اقتصاد قائم على الكربون إلى اقتصاد قائم على المعرفة"، وبدت العبارة يومها طموحا بعيد المنال ثم تحولت على مدى عقدين إلى خطة عمل تُقاس بالمباني والإنجاز والخريجين.
على أطراف الدوحة نهضت "المدينة التعليمية"، واستقطبت فروعًا لجامعات جورجتاون وكارنيغي ميلون ونورث وسترن ووايل كورنيل الطبية وفرجينيا كومنولث، فصار في وسع طالبة من الدوحة أو الخرطوم أن تنال شهادة أمريكية مرموقة دون أن تعبر المحيط. وقادت الشيخة موزا المشروع واختارتها الأمم المتحدة عام 2003 مبعوثة خاصة لليونسكو للتعليم الأساسي والعالي.
💬 التعليقات (0)