حين نتحدث عن أزمة الصحافة اليوم، تقفز التكنولوجيا إلى مقدمة المشهد، الإنترنت حطم نموذج الصحيفة التقليدية، ومنصات التواصل فتتت الجمهور، والذكاء الاصطناعي يهدد الآن بإعادة تعريف الكتابة والنشر والملكية.
لكن أليكس رايت، يدعو في مقال نشرته مجلة جامعة كولومبيا للصحافة، إلى النظر إلى الوراء قليلا، تحديدا إلى صحافة القرن التاسع عشر، لفهم أن مستقبل الإعلام لا تصنعه التكنولوجيا وحدها.
يرى رايت أن الولايات المتحدة عاشت، قبل صعود الإعلام الجماهيري الحديث في مطلع القرن العشرين، واحدة من أكثر التجارب الصحفية اتساعا في التاريخ. ففي نهاية حرب الاستقلال لم يكن في المستعمرات السابقة سوى 37 صحيفة، لكن العدد قفز بحلول عام 1900 إلى أكثر من 20 ألف صحيفة، أي أكثر من نصف صحف العالم، في بلد لم يكن يضم إلا نحو 5% من سكانه، هذا الانفجار لم يكن نتيجة آلة طباعة أفضل فقط، بل نتاج تداخل بين الاقتصاد والسياسات العامة والبنية التحتية والتحولات الاجتماعية.
كانت صحف القرن التاسع عشر أقرب إلى شبكة اجتماعية مطبوعة منها إلى الصحف الحديثة بمعناها المهني الصارم، صفحاتها كانت خليطا من أخبار محلية، وآراء، وقصائد، ونكات، ومواعظ، ومواد منقولة من صحف أخرى.
لم تكن الصحف منظمة وفق معايير التحرير الحديثة، لكنها كانت حية وقريبة من الناس، وتتحرك داخل شبكة من الحانات والمقاهي والبلدات والنقاشات السياسية، بهذا المعنى، تبدو تلك الصحف، بفوضاها وتشاركيتها، شبيهة جزئيا بمنصات التواصل الحالية.
الدرس الأول الذي يقدمه التاريخ هنا أن الإعلام يحتاج إلى بنية تحتية عامة، فقد ساعد قانون مكتب البريد عام 1792 على نمو الصحافة الأمريكية المبكرة، لأنه سهل تداول الصحف وخفض كلفة وصولها، بينما وفرت حماية التعديل الأول للدستور مناخا قانونيا أوسع لحرية النشر، كما سمح نظام حقوق نشر متساهل بإعادة نشر المواد وتداولها بين الصحف، بما خلق مشاعا إخباريا واسعا.
💬 التعليقات (0)