واشنطن – سعيد عريقات – 12/7/2026
لم يكن إعلان بحرية الحرس الثوري الإيراني، مساء السبت، إغلاق مضيق هرمز بالكامل حدثاً منفصلاً عن مسار المواجهة المتصاعدة بين طهران وواشنطن، بقدر ما بدا نتيجة مباشرة لوصول سياسة الضغط العسكري والسياسي إلى نقطة الانفجار. فالمضيق، الذي ظل مفتوحاً أمام الملاحة الدولية رغم سنوات العقوبات والتوتر، تحول اليوم إلى ورقة مواجهة تستخدمها إيران للقول إن استمرار الحرب والتهديد والإكراه لن يبقى بلا ثمن، وإن تداعيات الصراع لن تظل محصورة داخل حدودها، بل قد تمتد إلى أسواق الطاقة وشرايين التجارة والاقتصاد العالمي برمته.
بهذا المعنى، جاء إغلاق هرمز ليكشف عمق المأزق الذي وصلت إليه السياسة الأميركية تجاه إيران. فمرة أخرى، تقف العلاقات بين البلدين عند مفترق طرق، لكن تعثر الاتفاق النووي هذه المرة لا يبدو ناجماً عن خلافات تقنية حول أجهزة الطرد المركزي أو نسب تخصيب اليورانيوم بقدر ما يعكس فشل الرهان الأميركي على إمكانية الجمع بين الضغوط العسكرية والتفاوض السياسي. إدارة الرئيس دونالد ترمب تبدو وكأنها تعود إلى السياسة التقليدية القائمة على الإكراه والقوة، بعدما أخفقت سياسة "الضغط الأقصى" في انتزاع التنازلات التي وعدت بها.
المفارقة أن واشنطن تطالب طهران بالعودة إلى طاولة التفاوض، في الوقت الذي تواصل فيه استخدام العقوبات والتهديد العسكري أدوات رئيسية في إدارة الأزمة. وهي معادلة يصعب أن تنتج اتفاقاً مستقراً، لأن التفاوض تحت القصف أو التهديد بالقصف لا يبني الثقة، بل يدفع الطرف الآخر إلى البحث عن أدوات ردع مضادة. ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن فهم انتقال مضيق هرمز من ورقة تهديد نظرية إلى أداة سياسية وميدانية في المواجهة.
وتكشف التصريحات الأخيرة الصادرة عن كبار المسؤولين الأميركيين أن واشنطن بدأت عملياً الابتعاد عن فكرة التسوية الشاملة لصالح إدارة صراع مفتوح، يسمح لها بالإبقاء على أدوات الضغط الاقتصادي والعسكري من دون تقديم رؤية سياسية قابلة للحياة لإنهاء الأزمة. فالخطاب الأميركي لم يعد يركز على البرنامج النووي وحده، بل بات يربط أي تفاهم مستقبلي بسلوك إيران الإقليمي وأمن الملاحة في مضيق هرمز، بما يوسع قائمة الشروط كلما اقتربت المفاوضات من نقطة تفاهم.
وتطالب الإدارة الأميركية طهران بالإعلان رسمياً عن ضمان حرية الملاحة ووقف استهداف السفن التجارية. وهي مطالب قد تبدو مشروعة من حيث المبدأ، لكن السؤال الذي تتجنبه واشنطن هو: كيف وصلت الأزمة أصلاً إلى هذه النقطة؟ فمضيق هرمز لم يُغلق في فراغ سياسي، ولم تتحول الملاحة إلى ورقة ضغط بعيداً عن سياق الحرب والتصعيد. لقد ظل المضيق مفتوحاً سنوات طويلة رغم العقوبات القاسية، قبل أن تدفع المواجهة العسكرية إيران إلى إعادة اكتشاف القيمة الاستراتيجية لأهم ورقة جغرافية تمتلكها.
💬 التعليقات (0)