لم يكن مشهد الجماهير البوسنية في كأس العالم وهي ترفع الأعلام الفلسطينية، وتهتف لغزة، وتحرص على إظهار تضامنها في المدرجات والشوارع الأمريكية، مجرد تعاطف مع شعب يعيش حربًا قاسية، بل بدا وكأنه استعادة لذاكرة شخصية وجماعية لم تغادرهم منذ ثلاثة عقود.
ففي الوقت الذي كان ملايين المشجعين حول العالم يشاهدون ما يجري في غزة من بعيد، كان كثير من البوسنيين يستعيدون حياتهم هم. لم يكونوا مشاهدين فقط، بل كانوا يرون في كل صورة جزءًا من ماضيهم.
كل مشهد من غزة يعيد إلى أذهانهم حصار سراييفو، والقتل، والنزوح، والبيوت المدمرة، والعائلات التي فُرقت، والانتظار الطويل أمام صمت العالم.
لهذا كانوا يهتفون لفلسطين كما لو أنهم يهتفون لأنفسهم.
يصعب فهم الموقف الشعبي البوسني من فلسطين دون العودة إلى صيف عام 1995، حين شهدت مدينة سربرنيتسا واحدة من أبشع الجرائم في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، إذ قُتل أكثر من ثمانية آلاف رجل وفتى بوسني خلال أيام قليلة، وهي الجريمة التي اعترفت بها المحاكم الدولية باعتبارها إبادة جماعية.
لكن سربرنيتسا لم تكن سوى الفصل الأكثر دموية في حرب عاش خلالها البوسنيون سنوات من الحصار والقصف والتهجير، وخاصة حصار سراييفو الذي استمر قرابة أربع سنوات، ليصبح أطول حصار لعاصمة في التاريخ الحديث.
💬 التعليقات (0)