منذ السابع من أكتوبر 2023، سعت إسرائيل، مدعومة بحلفائها في الغرب، إلى تكريس رواية واحدة مفادها أن الصراع بدأ في ذلك اليوم، وأن كل ما جرى بعده ليس سوى "حق مشروع في الدفاع عن النفس"، وبفضل آلة إعلامية وسياسية هائلة، تحولت تلك الرواية إلى الخطاب السائد في كثير من العواصم، بينما غُيّب التاريخ، واختزلت القضية الفلسطينية في يوم واحد، وكأن الشعب الفلسطيني كان يعيش قبله في سلام واستقرار، ثم قرر فجأة إشعال الحرب، غير أن الوقائع، والتاريخ، وحتى التقارير الدولية، تكذب هذه الرواية وتؤكد أن السابع من أكتوبر لم يكن بداية المأساة، بل نتيجة لمسار طويل من الاحتلال والاستيطان والقتل والتهجير والقمع الذي بدأ مع نكبة عام 1948 ولم يتوقف حتى اليوم.
فالنكبة لم تكن حدثاً عابراً في التاريخ الفلسطيني، بل كانت بداية مشروع استعماري إحلالي قام على اقتلاع شعب كامل من أرضه، وتدمير مئات القرى والمدن، وتهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين وتحويلهم إلى لاجئين، ومنذ ذلك التاريخ، لم تتوقف إسرائيل عن توسيع مشروعها الاستيطاني، سواء داخل الأراضي المحتلة عام 1948 أو بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية عام 1967، حيث تحولت مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات إلى سياسة رسمية تهدف إلى منع قيام دولة فلسطينية مستقلة وفرض وقائع لا يمكن التراجع عنها.
وفي القدس المحتلة، لم تتوقف الاعتداءات على المدينة المقدسة وعلى المسجد الأقصى المبارك، فقد تسارعت مشاريع التهويد، وتصاعدت اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال، وتكررت الاعتداءات على المصلين، ومنع الفلسطينيين من الوصول إلى أماكن عبادتهم، مع محاولات متواصلة لفرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد، في انتهاك صارخ للوضع التاريخي والقانوني القائم، كما استمرت سياسة هدم المنازل وسحب الهويات وتوسيع المستوطنات في القدس بهدف تغيير هويتها العربية والإسلامية. أخبار ذات صلة استطلاع عبري: 75% من المستوطنين يخشون تكرار سيناريو "طوفان الأقصى" وفشل السابع من أكتوبر الفراعنة يكتبون التاريخ.. منتخب مصر يتأهل إلى دور الـ32 بمونديال 2026 بعد تعادل مثير أمام إيران
أما الضفة الغربية، فقد كانت تعيش قبل السابع من أكتوبر واحدة من أكثر مراحلها دموية منذ سنوات، ففي الأشهر التسعة الأولى من عام 2023 استشهد 243 فلسطينياً، بينهم 234 برصاص قوات الاحتلال و9 نتيجة اعتداءات المستوطنين، وشهدت مدن جنين ونابلس وطولكرم ومخيماتها اقتحامات عسكرية واسعة استخدمت فيها الطائرات المسيّرة والصواريخ لأول مرة منذ سنوات، بينما تصاعدت عمليات الإعدام الميداني والاعتقال الجماعي.
وفي الوقت نفسه، شهد الاستيطان قفزة غير مسبوقة، إذ صادقت الحكومة الإسرائيلية الأكثر تطرفاً على آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، وشرعنت البؤر الاستيطانية العشوائية، في حين تحولت اعتداءات المستوطنين إلى سياسة منظمة تُنفذ تحت حماية الجيش، فكانت قرى مثل حوارة وترمسعيا شاهدة على إحراق المنازل والمركبات، واقتلاع أشجار الزيتون، والاعتداء على المزارعين والرعاة، وإجبار تجمعات بدوية ورعوية كاملة في الأغوار ومسافر يطا على الرحيل عن أراضيها، كما وثقت المنظمات الحقوقية عمليات هدم واسعة للمنازل والمنشآت الفلسطينية وتهجير آلاف المواطنين، بينهم مئات الأطفال، في إطار سياسة تهدف إلى تفريغ الأرض من أصحابها الأصليين.
ولم تكن غزة بعيدة عن هذا المشهد، فمنذ عام 2007 فرضت إسرائيل حصاراً خانقاً على أكثر من مليوني فلسطيني، استمر أكثر من سبعة عشر عاماً حتى العام 2023 ، حيث تحوّل القطاع إلى أكبر سجن مفتوح في العالم، وقيّدت حركة السكان، ومنع إعادة الإعمار ما دمر من الحروب وخنق الاقتصاد، وترك القطاع يعيش
💬 التعليقات (0)