قبل أيام دعيت إلى العشاء في مطعم ما على تخوم مدينة رام الله، وبعد الانتهاء من تناول الوجبة المتواضعة بالمقارنة مع مطاعم في الخليل وجنين على وجه الخصوص، تفاجأنا بأن الرقم المذيل في نهاية " الفاتورة" كان مذهلاً حد فتح الأفواه، فما تم تقديمه من طعام بالكاد تصل تكلفته على صاحب المطعم "70 شيكلاً"، في حين كانت الفاتورة ثمانية أضعاف هذه التكلفة، الأمر الذي اثار الدهشة والذهول حول الغلو في الابتزاز مقابل برستيج كاذب يصل حد الخديعة.
هذا الأمر ينسحب على غالبية المطاعم التي تتخذ لنفسها اسماء غربية او تركية أو ما شاكل ذلك، في حين أن المحتوى المقدم للزبون لا يجافي الطبيعية الفلسطينية المحلية، فمثلا " لايوجد مسخن تركي أو فرنسي.. ولا توجد مقلوبة أمريكية، ولا يوجد منسف صيني "على سبيل المثال. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتم التعامل مع مرتادي المطاعم غير الشعبية سواء كانوا مدعوين أو داعين بنظرة طبقية مقيتة هدفها الابتزاز والاستغلال؟
تُعد المطاعم الفاخرة جزءاً من آليات إعادة إنتاج التراتبية الطبقية. وكما يوضح ماركس في "العمل المأجور والرأسمال"، فإن الأجر ليس ثمناً للعمل، بل لقوة العمل، والأجر الحقيقي هو ما يمكن شراؤه به، وليس المبلغ الاسمي. في هذا السياق، تُبقي المطاعم أسعارها مرتفعة لتخلق انقساماً طبقياً عبر بوابة الاستهلاك: من يستطيع الدخول ومن لا يستطيع. وهذا هو جوهر "خديعة البرستيج": دفع المواطن ثمناً باهظاً لشراء إحساس وهمي بالانتماء إلى طبقة أعلى، بينما هو في الحقيقة يدفع من قوته الحياتية .
كما يوضح التحليل الماركسي أن فائض القيمة هو الفرق بين ما ينتجه العامل وما يحصل عليه كأجر . وفي حالة المطاعم الفاخرة، فإن "فائض القيمة" المستخلص من المواطن لا ينتج عن إنتاج حقيقي، بل عن تضخيم سعر الخدمة عبر وهم الرفاهية. إنها رأسمالية استهلاكية طفيلية تستغل حاجة الطبقة الوسطى للتماهي مع صورة البرجوازية، وتستنزف ما تبقى من مدخراتها في ظل تآكل قوتها الشرائية الفعلية.
يقول أحد المعلقين على منشور حول فاتورة مطعم في رام الله: "المطاعم كتيره وأسعارهم لا تطاق سواء في رام الله او غيرها، لا مبرر للأسعار الغاليه" . وهذا التعليق يعكس وعياً متنامياً بالاستغلال، وإن لم يصاغ بمصطلحات ماركسية".
التكافل الاجتماعي بين النظرية والممارسة
💬 التعليقات (0)