دعونا نتخيّل أن تستيقظ صباح الغد، نمد يدنا إلى هواتفنا كالمعتاد، وفجأة كل أدوات الذكاء الاصطناعي قد تعطلّت لسبب ما، لا مساعدين رقميين، ولا تطبيقات تكتب، ولا برامج تلخص، ولا نماذج تجيب عن الأسئلة، للحظة سنشعر وكأننا (على الأقل من هم مثلي) بأن مصيبةً كبيرةً قد وقعت، لكن السؤال هو: هل فقدنا الأداة فقط، أم فقدنا معها شيئاً من عادتنا على التفكير؟
نتذكر أننا نحن البشر، لم نكن يوماً أعداء للذكاء الاصطناعي وللتقنية بشكل عام، فمنذ أن صنع الإنسان العجلة مثلا، وهو يبحث عن وسيلة تختصر الجهد وتمنحه وقتاً أكبر للحياة والإبداع والراحة، ولم يعترض أحد لأن الكهرباء حلّت محل مولدات الفحم، أو لأن الحاسوب اختصر ساعات من العمليات الحسابية، بل كان التقدم دائماً يعني أن ننجز أكثر بجهد أقل، والذكاء الاصطناعي ليس استثناءً من هذه القاعدة، بل هو امتداد طبيعي لمسيرة الإنسان في تطوير أدواته.
الفرق الوحيد هذه المرة، فالأدوات السابقة اختصرت جهد العضلات، أما الذكاء الاصطناعي فيختصر جزء من الجهد الذهني، أي إنه يساعدنا على الكتابة، والبحث، والتحليل، والتخطيط، وحتى توليد الأفكار الأولية، ووهنا لا تكمن المشكلة، بل تبدأ المسؤولية، لأن العقل، مثل أي قدرة إنسانية أخرى، ينمو بالاستخدام، لا بالاستعاضة عنه.
هناك سؤال داخلي يلح علينا: ماذا سنفعل لو طُلب منا غداً أن ننجز عملاً اعتدنا انجازه بمساعدة الذكاء الاصطناعي دون مساعدة وبالاعتماد على خبرتنا وحدها؟ ربما ستنجح، لكننا سنشعر أن المهمة أصبحت أصعب مما كانت قبل سنوات، ليس لأننا بتنا أقل ذكاءً، بل لأنك اعتدنا أن يكون بحانبنا مساعد لا يكل ولا يمل.
هي التكنولوجيا تكرر قصصها، حيث مررنا بتجارب مشابهة قبل ذلك، فمنذ ظهور الالة الحاسبة مثلاً، تراجعت قدرتنا على الحساب، ومنذ انتشار الهواتف الذكية، توقف كثيرون عن حفظ أرقام الهواتف، لم نفقد هذه المهارات تماماً، لكننا تركناها تنام لأن هناك من يؤديها نيابة عنا، واليوم يطرح الذكاء الاصطناعي السؤال نفسه، ولكن على مستوى التفكير والتحليل والإبداع.
هل الحل الأنسب هو الابتعاد عن الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته وأدواته؟ أو التسليم له بالكامل، فالحدّ الفاصل ليس في هذا ولا ذاك، الحكمة أن نستخدمه بإدراكنا ووعينا، فالأداة تمنح الثقة، لكنها لا ينبغي أن تلغي المهارة.
💬 التعليقات (0)